تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
وهو قبول توبته في بطن الحوت شملته فلم ينبذ بالعراء مذموما . فمجموع الآيتين يدلّ على أن ذهابه مغاضبا كان يقتضي أن يلبث في بطنه إلى يوم القيامة فمنع عن دوام تسبيحه قبل التقامه وبعده ، وقدّر أن ينبذ بالعراء وكان مقتضى عمله أن ينبذ مذموما فمنع من ذلك تدارك نعمة ربه له فنبذ غير مذموم بل اجتباه اللّه وجعله من الصالحين فلا منافاة بين الآيتين . وقد تكرر في مباحثنا السابقة أن حقيقة النعمة الولاية وعلى ذلك يتعين لقوله :
« لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ »
معنى آخر . قوله تعالى :
فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
تقدم توضيح معنى الاجتباء والصلاح في مباحثنا المتقدمة . قوله تعالى :
وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ
إن مخففة من الثقيلة ، والزلق هو الزلل ، والإزلاق الإزلال وهو الصرع كناية عن القتل والإهلاك . والمعنى : أنه قارب الذين كفروا أن يصرعوك بأبصارهم لما سمعوا الذكر . والمراد بإزلاقه بالأبصار وصرعه بها - على ما عليه عامة المفسرين - الإصابة بالأعين ، وهو نوع من التأثير النفساني لا دليل على نفيه عقلا وربما شوهد من الموارد ما يقبل الانطباق عليه ، وقد وردت في الروايات فلا موجب لإنكاره . وقيل : المعنى أنهم ينظرون إليك إذا سمعوا منك الذكر الذي هو القرآن نظرا مليئا بالعداوة والبغضاء يكادون يقتلونك بحديد نظرهم . قوله تعالى :
وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
رميهم له بالجنون عندما سمعوا الذكر دليل على أن مرادهم به رمي القرآن بأنه من إلقاء الشياطين ، ولذا ردّ قولهم بأن القرآن ليس إلّا ذكرا للعالمين .