تكون مسوقة حجة على المعاد كقوله تعالى :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
( ص / 28 ) ، وقد تقدم تفسيره .
وأن تكون ردا على قول من قال منهم للمؤمنين : لو كان هناك بعث وإعادة لكنا منعمين كما في الدنيا وقد حكى سبحانه ذلك عن قائلهم
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
( حم السجدة / 50 ) .
ظاهر سياق الآيات التالية التي ترد عليهم الحكم بالتساوي هم الاحتمال الثاني ، وهو الذي رووه أن المشركين لما سمعوا حديث البعث والمعاد قالوا : إن صح ما يقوله محمّد والذين آمنوا معه لم تكن حالنا إلّا أفضل من حالهم كما في الدنيا ولا أقل من أن تتساوى حالنا وحالهم .
غير أنه يرد عليه أن الآية لو سيقت لرد قولهم ، سنساويهم في الآخرة أو نزيد عليهم كما في الدنيا ، كان مقتضى التطابق بين الرد والمردود أن يقال : أفنجعل المجرمين كالمسلمين وقد عكس .
فقوله :
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
مسوق للتعجب من حكمهم بكون المجرمين يوم القيامة كالمسلمين ، وهو إشارة إلى تأبّي العقل عن تجويز التساوي ، ومحصله نفي حكم العقل بذلك إذ معناه : أي شيء حصل لكم من اختلال الفكر وفساد الرأي حتى حكمتم بذلك ؟
قوله تعالى :
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ
إشارة إلى انتفاء الحجة على حكمهم بالتساوي من جهة السمع كما أن الآية السابقة كانت إشارة إلى انتفائها من جهة العقل .
والمراد بالكتاب الكتاب السماوي النازل من عند اللّه وهو حجة ، ودرس الكتاب قراءته ، والتخيّر الاختيار ، وقوله :
« إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ »
في مقام المفعول لتدرسون والاستفهام إنكاري .