تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
ذِكْراً
استنتاج مما تقدم خوطب به المؤمنون ليأخذوا حذرهم ويقوا أنفسهم أن يعتوا عن أمر ربهم ويطغوا عن طاعته فيبتلوا بوبال عتوهم وخسران عاقبتهم كما ابتليت بذلك القرى الهالكة . وقد وصف المؤمنين باولي الألباب فقال :
« فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا »
استمدادا من عقولهم على ما يريده منهم من التقوى فإنهم لما سمعوا أن قوما عتو عن أمر ربهم فحوسبوا حسابا شديدا وعذبوا عذابا نكرا وكان عاقبة أمرهم خسرا ثم سمعوا أن ذلك تكرر مرة بعد مرة وأباد قوما بعد قوم ، قضت عقولهم بأن العتو والاستكبار عن أمر اللّه تعرض لشديد حساب اللّه ومنكر عذابه فتنبههم وتبعثهم إلى التقوى وقد أنزل اللّه إليهم ذكرا يذكرهم به ما لهم وما عليهم ويهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم . قوله تعالى :
رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ
الخ ؛ عطف بيان أو بدل من
« ذِكْراً »
فالمراد بالذكر الذي أنزله هو الرسول سمي به لأنه وسيلة التذكرة باللّه وآياته وسبيل الدعوة إلى دين الحق ، والمراد بالرسول محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على ما يؤيده ظاهر قوله :
« يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ »
الخ . وعلى هذا فالمراد بإنزال الرسول بعثه من عالم الغيب وإظهاره لهم رسولا من عنده بعد ما لم يكونوا يحتسبون كما في قوله :
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
( الحديد / 25 ) . وقد ادعى ظهور الإنزال في كونه من السماء بعضهم كصاحب الكشاف إلى أن فسّر
« رَسُولًا »
بجبريل ويكون حينئذ معنى تلاوته الآيات عليهم تلاوته على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بما أنه متبوع لقومه ووسيلة الإبلاغ لهم لكن ظاهر قوله :
« يَتْلُوا عَلَيْكُمْ »
الخ ؛ خلاف ذلك . ويحتمل أن يكون
« رَسُولًا »
منصوبا بفعل محذوف والتقدير أرسل رسولا يتلو عليكم آيات اللّه ، ويكون المراد بالذكر المنزل إليهم القرآن أو ما بيّن فيه من الأحكام والمعارف . وقوله :
لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 353 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي