غالب ، والحكيم هو المتقن فعله فلا يفعل عن جهل أو جزاف .
وفي الآية توطئة وتمهيد برهاني لما يتضمنه قوله :
« هُوَ الَّذِي بَعَثَ »
الخ ؛ من بعثة الرسول لتكميل الناس وإسعادهم وهدايتهم بعد إذ كانوا في ضلال مبين .
وذلك أنه تعالى يسبحه وينزهه الموجودات السماوية والأرضية بما عندهم من النقص الذي هو متممه والحاجة التي هو قاضيها فما من نقيصة أو حاجة إلّا وهو المرجو في تمامها وقضائها فهو المسبّح المنزّه عن كل نقص وحاجة فله أن يحكم في نظام التكوين بين خلقه بما شاء ، وفي نظام التشريع في عباده بما أراد ، كيف لا ؟ وهو ملك له أن يحكم في أهل مملكته وعليهم أن يطيعوه .
وإذا حكم وشرّع بينهم دينا لم يكن ذلك منه لحاجة إلى تعبيدهم ونقص فيه يتممه بعبادتهم لأنه قدّوس منزّه عن كل نقص وحاجة .
ثم إذا حكم وشرّع وبلغه إياهم عن غنى منه ودعاهم اليه بوساطة رسله فلم يستجيبوا دعوته وتمردوا عن طاعته لم يكن ذلك تعجيزا منهم له تعالى لأنه العزيز لا يغلبه فيما يريده غالب .
ثم إن الذي حكم به وشرعه من الدين بما أنه الملك القدوس العزيز ليس يذهب لغى لا أثر له لأنه حكيم على الإطلاق لا يفعل ما يفعل إلّا لمصلحة ولا يريد منهم ما يريد إلّا لنفع يعود إليهم وخير ينالونه فيستقيم به حالهم في دنياهم وأخراهم .
وبالجملة فتشريعه الدين وإنزاله الكتاب ببعث رسول يبلغهم ذلك بتلاوة آياته ، ويزكيهم ويعلمهم من منه تعالى وفضل كما قال :
« هُوَ الَّذِي بَعَثَ »
الخ .
قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ
الخ ؛ الأميون جمع أمي وهو الذي لا يقرأ ولا يكتب ، والمراد بهم - كما قيل - العرب لقلة من كان منهم يقرأ ويكتب وقد كان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منهم أي من جنسهم وهو غير كونه مرسلا إليهم فقد كان منهم وكان