بيان :
قوله تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
الخ ؛ استئناف يتبين به معنى تشريع الدين بإرسال الرسل وإنزال الكتاب والميزان وأن الغرض من ذلك قيام الناس بالقسط وامتحانهم بذلك وبإنزال الحديد ليتميز من ينصر اللّه بالغيب ويتبين أن أمر الرسالة لم يزل مستمرا بين الناس ولم يزالوا يهتدي من كل أمة بعضهم وكثير منهم فاسقون .
فقوله :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ
أي بالآيات البينات التي يتبين بها أنهم مرسلون من جانب اللّه سبحانه من المعجزات الباهرة والبشارات الواضحة والحجج القاطعة .
وقوله :
وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ
وهو الوحي الذي يصلح أن يكتب فيصير كتابا ، المشتمل على معارف الدين من اعتقاد وعمل وهو خمسة : كتاب نوح وكتاب إبراهيم والتوراة والإنجيل والقرآن .
وقوله :
وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
فسّروا الميزان بذي الكفتين الذي يوزن به الأثقال ، وأخذوا قوله :
« لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ »
غاية متعلقة بإنزال الميزان والمعنى : وأنزلنا الميزان ليقوم الناس بالعدل في معاملاتهم فلا يخسروا باختلال الأوزان والنسب بين الأشياء فقوام حياة الإنسان بالاجتماع ، وقوام الاجتماع بالمعاملات الدائرة بينهم والمبادلات في الأمتعة والسلع ، وقوام المعاملات في ذوات الأوزان بحفظ النسب بينها وهو شأن الميزان .
ولا يبعد - واللّه أعلم - أن يراد بالميزان الدين فإن الدين هو الذي يوزن به عقائد أشخاص الإنسان وأعمالهم ، وهو الذي به قوام حياة الناس السعيدة مجتمعين ومنفردين ،