وقوله :
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ
الرهبانية من الرهبة وهي الخشية ، ويطلق عرفا على انقطاع الانسان من الناس لعبادة اللّه خشيه منه ، والابتداع إتيان ما لم يسبق اليه في دين أو سنة أو صنعة ، وقوله :
« ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ »
في معنى الجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل : ما معنى ابتداعهم لها ؟ فقيل : ما كتبناها عليهم .
والمعنى : أنهم ابتدعوا من عند أنفسهم رهبانية من غير أن نشرعه نحن لهم .
وقوله :
إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها
استثناء منقطع معناه ما فرضناها عليهم لكنهم وضعوها من عند أنفسهم ابتغاء لرضوان اللّه وطلبا لمرضاته فما حافظوا عليها حق محافظتها بتعديهم حدودها .
وفيه إشارة إلى أنها كانت مرضية عنده تعالى وإن لم يشرّعها بل كانوا هم المبتدعين لها .
وقوله :
فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
إشارة إلى أنهم كالسابقين من أمم الرسل منهم مؤمنون مأجورون على إيمانهم وكثير منهم فاسقون ، والغلبة للفسق .
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
الخ ؛ أمر الذين آمنوا بالتقوى والإيمان بالرسول مع أن الذين استجابوا الدعوة فآمنوا باللّه آمنوا برسوله أيضا دليل على أن المراد بالإيمان بالرسول الاتباع التام والطاعة الكاملة لرسوله فيما يأمر به وينهى عنه سواء كان ما يأمر به أو ينهى عنه حكما من الأحكام الشرعية أو صادرا عنه بماله من ولاية أمور الأمة كما قال تعالى :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
( النساء / 65 ) .
فهذا إيمان بعد إيمان ومرتبة فوق مرتبة الإيمان الذي ربما يتخلف عنه أثره فلا يترتب عليه لضعفه ، وبهذا يناسب قوله :
« يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ »
والكفل الحظ والنصيب فله ثواب