والمسائل ( 1 ) عبارة عن جملة من قضايا متشتتة جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض ( 2 ) الذي لأجله دون هذا العلم ، فلذا قد يتداخل
بعض العلوم في بعض
شرح
( 1 ) هذا ثاني الجزءين اللذين تعرض لهما في أول الأمور المذكورة في المقدمة ، وملخصه : أن كل علم مركب من قضايا متشتتة مختلفة
موضوعا ومحمولا كقولهم في علم النحو : ( الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ) ويبرهن عليها بمثل قوله تعالى :
( وكفى الله المؤمنين القتال ) ، و ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ، وأشعار امرئ القيس ، وتسمى هذه الأدلة بالمبادئ التصديقية ،
لكونها موجبة للتصديق بثبوت محمولات هذه المسائل لموضوعاتها ، كما أن المبادئ التصورية هي حدود موضوعات المسائل
ومحمولاتها كتعريف الفاعل والمبتدأ والخبر ونحوها ، وتعريف الرفع والنصب والجر المحمولة على تلك الموضوعات ، فالمبادئ
التصورية لعلم النحو هي هذه الحدود ، فيستفاد من قوله : ( والمسائل عبارة . إلخ ) أن العلوم أسام لمسائلها ، لأنه بعد البناء على اتحاد
موضوع العلم مع موضوعات المسائل ، وعلى كون محمولات المسائل أعراضا ذاتية لموضوعاتها فلا بد من كون أسامي العلوم أسماء
لمسائلها ، إذ لا يذكر في العلوم غير تلك المسائل ، فعلم الأصول اسم لمسائله لا للادراك ولا للملكة المسببة عن الممارسة ، وكذا علم
النحو اسم للمسائل التي توجب مراعاتها صحة الكلمة إعرابا وبناء ، وهكذا سائر العلوم .
( 2 ) المستفاد منه أن تمايز العلوم بتمايز الاغراض المترتبة على المسائل المختلفة موضوعا ومحمولا ، لا الموضوعات كما اشتهر ، وذلك
لتحسين العقلا تدوين علم واحد للمسائل المتشتتة المختلفة موضوعا ومحمولا إذا كان الغرض المترتب عليها واحدا ، وتقبيحهم تدوين
علم واحد للمسائل مع تعدد الغرض المترتب عليها ولو كان موضوع جميعها واحدا ، فلو كان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات لم يكن
وجه للتقبيح المزبور ، لفرض وحدة الموضوع في جميع المسائل مع تعدد الغرض المترتب عليها .