للاشتغال بما تفرّد به من تأسيس العلوم الشرعية ولا سيما المسائل الفقهية ، فإنّ كتبه فيها هي المرجع لمن بعده غالباً ، حتى أنّ كثيراً ما يذكر مثل المحقّق أو العلاّمة أو غيرهما فتاويه من دون نسبتها إليه ، ثمّ يذكرون ما يقتضي التردّد أو المخالفة فيها ، فيتوهّم التنافي بين الكلامين مع أنّ الوجه فيهما ما قلناه جزاه اللّه وإيّاهم عنّا خير الجزاء . ( 1 )
والذي يدفعنا إلى اتّهام الفترة بالركود هو ما نجده في الكتب المؤلّفة في الدور الرابع من الشكوى من وصف فقهاء هذه الفترة بالمقلدة تارة وبالمتفقّهة أُخرى :
يقول ابن إدريس في مقدّمة السرائر : إنّي لمّا رأيت زهد أهل هذا العصر في علم الشريعة المحمدية والأحكام الإسلامية ، وتثاقلهم طلبها ، وعداوتهم لما يجهلون ، وتضييعهم لما يعلمون ، ورأيت ذا السن من أهل دهرنا هذا ، لغلبة الغباوة عليه ، وملكة الجهل لقياده ، مضيِّعاً لما استودعته الأيام ، مقصِّراً في البحث عمّا يجب عليه علمه ، حتى كأنّه ابن يومه ونتيج ساعته . . . ورأيت العلم عنانه في يد الامتهان ، وميدانه قد عطل من الرهان ، تداركت منه الذماء الباقي ، وتلافيت نفساً بلغت التراقي . ( 2 )
ثمّ يقول : فإنّ الحقّ لا يعدو أربعة طرق ; إمّا كتاب اللّه سبحانه ، أو سنّة رسوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) المتواترة المتفق عليها ، أو الإجماع ، أو دليل العقل . فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة ، التمسّكُ بدليل العقل فيها ، فإنّها مبقاة عليه وموكولة إليه ، فمن هذا الطريق يوصل إلى
هامش
1 . التستري : مقابس الأنوار : 5 .
2 . السرائر : 41 ، المقدمة .