واتّضح من خلال هذا البحث أمر آخر ربما يكون سبباً للخلط والاشتباه ، وهو أنّ مصدرية العقل للتشريع تحدّد بالإطار السابق ولا يعم استنباط العقل لمصالح الأشياء أو مفاسدها حتى يستنبط بذلك حكم الشرع من الوجوب والحرمة ، وما ذلك إلا لقصور العقل عن الإحاطة بمصالح الأفعال ومفاسدها ، إلاّ إذا كانتا من المصالح والمفاسد النوعية التي اتّفق العقلاء عليهما ، وهذا القسم خارج عن محط النقاش .
ومن أراد تسوية إدراك المصالح بحسن الأشياء والمفاسد بقبحها فقد خلط بين البحثين .
فالعقل قادر على إدراك حسن أو قبح بعض الأفعال ، وهو أمر وجداني كما عرفت ، وأين هو من قيامه بتحليل الأفعال والوقوف على مصالحها ومفاسدها ، ثمّ استكشاف الحكم الشرعي من خلالها ، فإنّ العقل أقصر من ذلك ، وإلى ذلك يشير الإمام الصادق ( عليه السلام ) ويقول :
« إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقل » .
وفي ظله رفضنا القياس والاستحسان .
يقول المحقّق الإصفهاني : أمّا استتباع حكم العقل النظري للحكم الشرعي المولوي ، فمجمل القول فيه إنّ مصالح الأحكام الشرعية المولوية التي هي ملاكات تلك الأحكام ومناطاتها لا تندرج تحت ضابطة ، ولا تجب أن تكون هي بعينها المصالح العمومية المبنى عليها حفظ النظام وإبقاء النوع ، وعليه فلا سبيل للعقل بما هو إليها . ( 1 )
هامش
1 . نهاية الدراية : 2 / 130 .