ثم ما معنى نزول قوله سبحانه : ( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ ) في صلاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على المنافق « عبد اللّه بن أُبيّ » مع أنّه نزل في غزوة بني المصطلق ، ويرجع تاريخه إلى العام السادس من الهجرة في حين توفّي عبد اللّه بن أُبيّ في العام التاسع .
ثمّ إنّ هناك من حاول تصحيح تلك الروايات بقوله : إنّ النبي استغفر وصلّى على عبد اللّه ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الإسلام . ( 1 )
وهذه المحاولة من الوهن بمكان إذ كيف يصحّ للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يخالف النص القرآني الصريح بغية استمالة قلوب المنافقين والمداهنة معهم ، وقد ندّد اللّه سبحانه بمثل هذا العمل وتوعد به وقال : ( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ . . . إِذاً لأذْقناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ) . ( 2 )
والحقّ انّ رواة هذا الحديث حاولوا تعظيم أمر الخليفة بما يمسّ كرامة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من حيث لا يشعرون ، وليس هذا بجديد ، فقد رووا في غير واحد ما يشبهه حيث نقلوا :
1 . انّ الخليفة رأى أن تحجب نساء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فنزل القرآن بموافقته . ( 3 )
2 . رأى الخليفة أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلّى ، فنزل القرآن بموافقته . ( 4 )
وقد مرّ أنّ عمر رأى في أُسارى بدر أن تضرب أعناقهم ، فنزل القرآن بموافقته كما مرّ والدواعي من وراء جعل تلك الروايات هي العاطفة الدينية التي أخذتهم على الخليفة .
هامش
1 . تفسير المنار : 10 / 669 .
2 . الإسراء : 73 - 75 .
3 . الدر المنثور : 6 / 639 .
4 . الدر المنثور : 1 / 290 .