المبحث الثالث
في التعبّدي والتوصّلي
كان الترتيب الطبيعيّ يقتضي بيان التعبّدي والتوصّلي وماهيّتهما وما
تقتضيه كلّ منهما ، ثمّ تفريع مورد الشكّ فيهما واقتضاء الأصل عليه ، لكن
المحقّق الخراسانيّ ( رحمه الله ) جعل حال الشكّ أصلاً ، وجعل بيان ماهيّتهما من
مقدّماته ( 1 ) .
وكيف كان ، فهاهنا اُمور :
الأمر الأوّل : في تعريفهما
الواجب والندب التعبّديان ، ما لا يسقط الغرض منهما إلاّ بإتيانهما مرتبطين
بالمولى ، ومتقرّباً بهما إليه ، سواء تعلّق بهما أمر أم لا ، فتعظيم المولى ومدحه
وثناؤه ، تكون تعبّدية وإن فرض عدم تعلّق الأمر بها ، لكن لابدّ من إتيانها تقرّباً
إليه تعالى ؛ لأنّ الإتيان بها لا يسقط الغرض كيفما اتّفق ، بل لابدّ وأن تكون
مرتبطة بالمولى ، ومقصوداً بها حصول عناوينها .
والتوصّليان منهما ما يسقط الغرض بنفس وجودهما مطلقاً ، سواء اُتي بهما
تقرّباً إليه تعالى أم لا ، وسواء قصدت عناوينهما أم لا ، بل لو وجدا بلا إرادة
واختيار وفي حال النوم والغفلة ، لَحَصل الغرض منهما ( 12 ) .
هامش
1 - كفاية الاُصول : 94 و 98 .
12 - إنّ الواجبات بل المستحبّات في الشريعة على أقسام :
أحدها : ما يحصل الغرض بها كيفما تحقّقت ؛ أي يكون المطلوب فيها نفس التحقّق والوجود
بأيّ نحو حصل ، كستر العورة وإنقاذ الغريق والنظافة .
ثانيها : ما لا يحصل الغرض بها إلاّ مع قصد عناوينها من غير احتياج إلى قصد التقرّب
والتعبّد ، كردّ السلام وكالنكاح الواجب أو المستحبّ .
ثالثها : ما لا يحصل بها بصرف قصد العناوين ، بل لابدّ في سقوط أمرها من الإتيان بها
متقرّباً إلى الله تعالى . وهذا على قسمين :
أحدهما : ما ينطبق عليه عنوان العبودية لله تعالى المعبّر عنه في لغة الفرس
ب " پرستش " ، كالصلاة والحجّ والاعتكاف .
وثانيهما : ما ليس كذلك وإن كان قربياً ؛ أي يعتبر فيه قصد التقرّب والطاعة ، كالزكاة
والخمس ، بل والصوم ؛ فإنّ إتيان الزكاة - مثلاً - وإن يعتبر فيه قصد التقرّب ، لكن لا تكون
عبادة بالمعنى المساوق ل " پرستش " ؛ ضرورة أنّ كلّ فعل قربي لا ينطبق عليه عنوان
العبودية ، ألا ترى أنّه لو أطاع أحد والديه أو السلطان بقصد التقرّب إليهم ، لا تكون
إطاعته عبادة لهم ، فستر العورة والاستبراء بقصد الأمر والتقرّب إلى الله ليسا عبودية له ،
بل إطاعة لأمره .
فالواجبات المعتبرة فيها القربة على قسمين : تعبّدي وتقرّبي ، فالأوّل ما يؤتى به لأجل
عبودية الله تعالى والثناء عليه بالمعبودية ، كالصلاة التي هي أظهر مصاديقها ؛ فإنّها في
الحقيقة ثناء عليه تعالى بعنوان العبودية ، بخلاف الثاني ؛ فإنّ إعطاء الزكاة إطاعة له
تعالى لا ثناء عليه بالمعبودية ، فلا يجوز إتيان عمل بعنوان التعبّد لغيره تعالى بخلاف
الإتيان بعنوان التقرّب .
فحينئذ نقول : المراد بالواجب التعبّدي - فيما نحن فيه - هو الواجب التقرّبي بالمعنى الأعمّ
من التعبّدي بالمعنى المتقدّم ، وهو ما لا يسقط الغرض بإتيانه إلاّ بوجه مرتبط إلى الله
تعالى ، سواء قصد الامتثال له ، أو التقرّب إليه تعالى والتوصّلي بخلافه ، سواء سقط
الغرض بإتيانه كيفما اتّفق ، أو احتاج إلى قصد العنوان .
واتّضح ممّا ذكرنا وجه الخلل في تعريف التعبّدي : بأنّه الذي شرّع لأجل التعبّد به لربّه
المعبّر عنه بالفارسيّة ب " پرستش " ؛ فإنّ الواجبات التعبّدية بالمعنى المبحوث عنه أعمّ
ممّا ذكر . ( مناهج الوصول 1 : 258 - 259 ) .