إذا عرفت ذلك فيتمّ الكلام في مقامين :
المقام الأوّل : في الإتيان بالمأمور به حسبما تقتضيه الاُصول الشرعيّة
فاعلم : أنّ المحقّق الخراسانيّ ( رحمه الله ) لم يستقصِ جميع الاُصول المنقّحة
لموضوع التكليف بلسان تحقّق ما هو شرطه أو شطره ، وأمّا الاُصول الحكميّة
الجارية في الأجزاء والشرائط ، فغير مذكورة في كلامه .
نعم ، قد تعرّض في آخر كلامه للاُصول الحكميّة الجارية في أصل
التكليف ، كصلاة الجمعة والظهر ( 1 ) فلابدّ لنا من استقصاء الكلام في جميع
الاُصول والأمارات .
ثمّ اعلم : أنّا نتعرّض أوّلاً لمقام الإثبات ؛ وأنّ مقتضى ملاحظة الأدلّة
الواقعيّة المثبتة للأجزاء والشرائط والموانع والأدلّة الظاهريّة بحسب الإثبات
ما هو ؟ ثمّ لو دلّت الأدلّة على الإجزاء إثباتاً نتشبّث بها ، إلاّ أن يدلّ دليلٌ عقليّ
على الامتناع فنتركها بمقدار دلالته ، ونأخذ بالباقي .
ثمّ اعلم : أنّ من الاُصول ما تتعرّض لبيان تنقيح الموضوع في الشبهة
الموضوعيّة ، مثل قاعدة التجاوز والفراغ .
ومنها : ما تتعرّض لتنقيح المأمور به في الشبهة الحكميّة ، مثل أصالة
البراءة المستفادة من مثل حديث الرفع ( 2 ) ( 21 ) .
هامش
1 - كفاية الاُصول : 112 .
2 - التوحيد : 353 / 34 ، الخصال : 417 / 9 ، وسائل الشيعة 11 : 295 ، كتاب الجهاد ،
أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، الحديث 1 .
21 - قد يقال : باختصاص الحديث بالشبهة الحكمية ؛ لأنّ الموضوعات الخارجية غير
متعلّقة للأحكام ، وإنّما هي متعلّقة بنفس العناوين ، فرفع حكم عن الموضوعات المشتبهة
فرع وضع الحكم لها ، وهو ممنوع .
وفيه أوّلاً : أنّه منقوض بسائر العناوين ؛ فإنّ الاضطرار والإكراه إنّما يحصلان في
الموضوع ، كالطلاق المكره عليه ، مع أنّه مشمول للحديث بلا إشكال ، كما في صحيح
البزنطي .
وثانياً : أنّ الحديث رفع الحكم عن العناوين ، كالبيع المكره عليه ، والشرب المضطرّ إليه ،
والخمر المجهول حكماً أو موضوعاً ، إلاّ أنّ معنى رفع الحكم هو رفع إيجاب الاحتياط ، أو
رفع الفعلية ، أو رفع المؤاخذة ، على اختلاف المسالك ، ورفع الموضوع كذلك إن لم نقل
برفع الحكم عن الموضوع المجهول حقيقة ، كما في سائر العناوين ، والظاهر عدم التزامهم
به في بعض الموارد . ( أنوار الهداية 2 : 39 - 40 ) .