المطلب الثالث
في الإجزاء
وقبل الخوض في المقصود ، لابدّ من تمهيد اُمور :
الأمر الأوّل : تحرير محلّ النزاع
قد اختلفت تعبيرات الاُصوليّين في تحرير محلّ الكلام ، فقد يقال : هل الأمر
يقتضي الإجزاء على فرض الإتيان بمتعلّقه على وجهه أم لا ( 1 ) ؟
وقد يقال : إتيان المأمور به على وجهه ، هل يقتضي الإجزاء أم لا ( 2 ) ؟
والاقتضاء على التعبيرين مختلفٌ ؛ فإنّه على التعبير الأوّل يكون الاقتضاء
بمعنى الدلالة ، أي هل يدلّ الأمر على أنّ الإتيان بمتعلّقه مجز أم لا ؟
وعلى الثاني يكون بمعنى العلّيّة ، وإن لم تكن العلّيّة بمعناها المصطلح ،
ويرجع المعنى إلى أنّ الإتيان الكذائي ، هل يوجب الإجزاء وامتناع التعبّد به ثانياً
أم لا ( 19 ) ؟
هامش
1 - الذريعة إلى اُصول الشريعة 1 : 121 ، الفصول الغرويّة : 116 / السطر 9 .
2 - مطارح الأنظار : 18 / السطر 23 ، كفاية الاُصول : 104 .
19 - لكن كون النزاع في دلالة الأمر بعيد عن الصواب ؛ فإنّ الدلالة المتوهّمة : إن كانت
وضعية ، فلا أظنّ بأحد يتوهّم دلالة هيئة الأمر ، أو مادّته على الإجزاء إذا أتى المكلّف
بالمأمور به على وجهه ؛ بحيث يكون جميع هذه المداليل من دلالة الأمر هيئة أو مادّة .
وإن كانت هذه الدلالة التزامية - بأن يدلّ على أنّ المأمور به مشتمل على غرض للآمر ،
ولا محالة أنّ ذلك الغرض يتحقّق في الخارج بتحقّق المأمور به ، وحينئذ يسقط الأمر
لحصول الغاية الداعية إليه - فكذا لا يتوهّمها أحد ؛ فإنّ عدّ تلك القضايا العقلية المتكثّرة
من دلالة الأمر التزاماً ، ممّا لا مجال للالتزام به ، مع ظهور فساده ، فحينئذ لا يكون في
دلالة الدليل .
وهذا من غير فرق بين إرجاع النزاع إلى الأوامر الاختيارية الواقعية ، أو الاضطرارية
والظاهرية ؛ لأنّ دلالة الأمر لا تخرج عن مادّته وهيئته .
وليس الاقتضاء بمعنى العلّية والتأثير ؛ لعدم تأثير لإتيان المكلّف في الإجزاء ، سواء فسّر
بالمعنى اللغوي - وهو الكفاية - وهو واضح ؛ فإنّها عنوان انتزاعي ليس مورداً للتأثّر
والتأثير ، والعجب من المحقّق الخراساني ، حيث جمع بين الالتزام بكون الاقتضاء بمعنى
العلّية ، وبين القول بأنّ الإجزاء هو الكفاية ، أو فسّر بإسقاط الأمر ونحوه ؛ فإنّ الإتيان
ليس علّة مؤثّرة في الإسقاط ، وهو - أيضاً - ليس شيئاً قابلاً لكونه أثراً لشيء .
وما يمكن أن يقال : إنّ الأمر لمّا صدر لأجل غرض هو حصول المأمور به ، فبعد حصوله
ينتهي اقتضاء بقائه ، فيسقط لذلك ، كما أنّ الحال كذلك في إرادة الفاعل المتعلّقة بإتيان
شيء لأجل غرض ، فإذا حصل الغرض سقطت الإرادة لانتهاء أمدها ، لا لعلّية الفعل
الخارجي لسقوطها .
والأولى في عنوان البحث أن يقال : إنّ الإتيان بالمأمور به هل مجز أم لا ؟ ( مناهج الوصول
1 : 298 - 300 ) .