في بحار جوده ونواله ؛ من أوّل نشأة وجوده ، إلى آخر مراتبه ، من النّعم الظاهرة
والباطنة والحسّية والمعنويّة ، وهذا الشعور والإدراك مبدأ محرّك له نحو
طاعة أوامره ونواهيه ؛ أداءً لبعض حقوقه تبارك وتعالى ، وشكراً لبعض آلائه
ونعمائه .
وبعد هذه المرتبة مرتبة الخوف من ناره وأليم عذابه ، ومرتبة الطمع في
جنّته ونعيمه ، وهاتان المرتبتان من أدنى مراتب العبوديّة وأخسّها .
فإذا وجدت في نفس العبد إحدى تلك المبادئ الخمسة ، تصير محرّكة
له نحو طاعته ، فالأوامر والنواهي موضوعات لتحقّق الطاعة ، لا محرّكات
نحوها ، وإنّما المحرّك ما عرفت .
إذا عرفت ما مهّدنا لك من المقدّمات فاعلم : أنّ عمدة الإشكال في المقام هو
الدّور الوارد في ناحية إتيان المأمور به ، وهذا هو الإشكال الدائر على لسان
المحقّق الخراسانيّ ( قدس سره ) وتصدّى لجوابه ( 1 ) ، وأمّا الإشكالات الاُخر - مثل الدّور
من ناحية تعلّق الأمر ، ومن ناحية القدرة ، والإشكال من ناحية الجمع بين
اللّحاظين - فقد عرفت الجواب عنها ( 2 ) .
وأمّا هذا الإشكال العويص والعويصة المشكلة ، التي هي كالشبهة في
مقابل الضرورة والبديهة ؛ فإنّ الضرورة - كما عرفت - قائمة على اعتبار قصد
التقرّب في العبادات ، ومن لدن تأسيس الشرائع إلى الآن كان الأمر على هذا
المنوال .
فيمكن دفعه : بأنّك قد عرفت ( 3 ) في المقدّمة الثانية ، أنّ المقدّمات إذا
هامش
1 - كفاية الاُصول : 95 .
2 - تقدّم في الصفحة 66 - 67 .
3 - تقدّم في الصفحة 74 - 75 .