من المرأة الدائمة بشيء ، واللَّازم باطل فكذا الملزوم ، أمّا بطلان اللَّازم ، فللإجماع على أنّه لو طلَّقها قبل أن يراها وجب نصف مهرها . وأمّا بيان الملازمة ، فإنّه علَّق وجوب إيتاء الأجرة بالاستمتاع ، فلا يجب بدونه . إن قلت : لم لا يجوز أن يراد المهر المستقر ومعلوم أنّه لا يستقر إلَّا مع الدخول فعبّر بالاستمتاع عن الدّخول . قلت : لم يتعرّض في الآية للاستقرار ، بل لوجوب الإيتاء ، على أنّا نقول الاستمتاع أعمّ من الدّخول وعدمه ، والعامّ لا دلالة له على الخاصّ ، ويكون حينئذ تقدير الآية : فالذي استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ مجموع أجورهنّ ، لأنّ الأجرة في الكلّ حقيقة وفي بعضه مجاز ، فكان يجب الاستقرار ولو بتقبيله أو نظرة بشهوة وهو باطل . 3 - قرأ ابن عبّاس ( 1 ) وابن جبير وأبيّ بن كعب وابن مسعود وجماعة
هامش
( 1 ) راجع تفسير الطبري ج 5 ص 12 ، تفسير الإمام الرازي ج 10 ص 51 ، أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 178 وغيرها من كتب التفسير ، بل الكتب الفقهية ، وأرسل الزمخشري في كشافه هذه القراءة عن ابن عباس إرسال المسلمات ، وقال الإمام الرازي بعد نقلها عن أبي بن كعب وابن عباس . والأمة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة ، فكان ذلك إجماعا من الأمة على صحة هذه القراءة ، هذا نص كلامه .
ونقل القاضي عياض عن المازري كما في ج 9 ص 179 من صحيح مسلم بشرح النووي أن ابن مسعود قرأ « فما استمتعتم به منهن إلى أجل » وصرح عمران بن حصين كما في تفسير الرازي بنزول هذه في المتعة ، وأنها لم تنسخ حتى قال رجل فيها برأيه ما شاء ، قال الإمام الرازي : يريد به عمر ، ونص على نزول الآية في المتعة مجاهد والسدي فيما أخرجه الطبري فراجع ص 12 ج 5 .
وترى القراءة كذلك من طرق الإمامية في البرهان ح 29 و 10 و 11 نقلا عن الإمام عليه السلام وفي ح 8 نقلا عن ابن عباس .
فلو أن أحدا قال : يلزم من ذلك تحريف القرآن ، وقد صرح الأساطين الاعلام من أهل السنة والشيعة الإمامية على عدم التحريف في القرآن ، وما أحسن ما أفاده إمام المتبحرين الشيخ جعفر كاشف الغطاء نور اللَّه مضجعه في البحث الثامن من كتاب القرآن في كتابه كشف الغطاء حيث قال :
لا ريب أن القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان كما دل عليه صريح القرآن وإجماع العلماء في جميع الأزمان إلى آخر ما أفاده قدس سره الشريف .
قلنا : ان هذا لزيادة من أقسام اختلاف القراءات ، وقد ثبت هذه القراءة عن عدة من الصحابيين كما قد عرفته ومنهم ابن عباس حبر الأمة الصحابي الجليل القدر ، فالإجماع حاصل على صحة هذه القراءة كما أفاده الإمام الرازي ، ولابن قتيبة في ص 28 و 29 من كتابه مشكل القرآن بيان في وجوه اختلاف القراءات ننقله بعين عبارته قال :
وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها على سبعة أوجه أولها الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركة بنائها ، بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ، ولا يغير معناها نحو قوله تعالى : « هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ » و « أطهر لكم » و : « هَلْ نُجازِي » و « هل يجازى الا الكفور » و : « يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ » و « بالبخل » : « فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ » و « إلى ميسرة » .
والوجه الثاني أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة وحركات بنائها بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب ، نحو قوله تعالى : « رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا » و « ربنا باعد بين أسفارنا » و : « إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ » وتَلقونه بألسنتكم : « وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ » و « بعد أمة » .
والوجه الثالث أن يكون الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها بما يغير معناها ولا يزيل صورتها نحو قوله : « وانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها » و « ننشرها » ونحو قوله : « حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ » و « فرغ » .
والوجه الرابع أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتاب ولا يغير معناها نحو قوله « ان كانت الا زقية واحدة » و « صيحة » و « كالصوف المنفوش » و : « كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ » .
والوجه الخامس أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها نحو قوله « وطلع منضود » في موضع : « وطَلْحٍ مَنْضُودٍ » والوجه السادس أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو قوله : « وجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ » وفي موضع آخر « وجاءت سكرة الحق بالموت » .
والوجه السابع أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان نحو قوله « وما عملت أيديهم » : « وما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ » ونحو قوله : « إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » و « إن اللَّه الغنى الحميد » وقرأ بعض السلف : « ان هذا أخي له تسع وتسعون نعجة أنثى » و « ان الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهرها لكم » .
ثم قال : وكل هذه الحروف كلام اللَّه نزل به الروح الأمين على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ونقله ابن الجزري في كتابه النشر في القراءات العشر ج 1 ص 27 بعد نقله نظيره عن أبي الفضل الرازي واستحسن ما ذكره ابن قتيبة ، إلا أنه جعل الأحسن في تمثيله بطلع منضود ، وطلح منضود التمثيل بقوله : « بِضَنِينٍ » بالضاد ، و « بظنين » بالظاء ، و : « أَشَدَّ مِنْكُمْ » و « أشد منهم » .
ثم قال : انه قد فاته كما فات غيره أكثر أصول القراءات كالادغام والإظهار والإخفاء والإمالة والتفخيم وبين بين المد والقصر وبعض أحكام الهمز على اختلاف أنواعه ، وكل ذلك من اختلاف القراءات وتغاير الألفاظ مما اختلف فيه أئمة القراء ثم قال : ويمكن أن يكون هذا من القسم الأول فيشمل الأوجه السبعة .
والمقصود أن الاختلاف بالزيادة والنقصان من وجوه اختلاف القراءة ، وليس من التحريف بشيء ، كيف وصدور القراءة مما تسلمه القوم كما قد عرفت ، وقد استدل فقهاؤهم بنظائره مع عدم كون القراءة فيها بذلك التسلم .
فاستدلوا بقراءة سعد بن أبي وقاص : « وله أخ أو أخت من أم » في المسئلة المعروفة بالحمارية لجعل الثلث لإخوة الأم كما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد بن حنبل وداود ، واستدلوا بقراءة « أو تحرير رقبة مؤمنة » في كفارة الحنث باشتراط الايمان فيها كما ذهب إليه الشافعي أو جعلوها مؤيدة لما ذهبوا إليه ، انظر النشر ج 1 ص 28 مع أن هذه القراءات ليست بمتواترة قطعا وأما قراءة ابن عباس « إلى أجل مسمى » فلعلها تعد من المتواترات ، وقد ادعى الإمام الرازي الإجماع على صحة هذه القراءة .
ولو قيل : ان الصحابة ربما كانوا يدخلون التفسير في القراءة إيضاحا وبيانا ، لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي صلى اللَّه عليه وآله قرآنا ، آمنون من الالتباس ، وربما كان بعضهم يكتبه معه .
قلنا : مع أن المنقول ان ابن مسعود كان يكره ذلك ويمنع منه فروى مسروق عنه كما في النشر ج 1 ص 32 انه كان يكره التفسير في القرآن ، وروى غيره عنه : جردوا القرآن ولا تلبسوا به ما ليس منه ، ليس ذلك بمخل فيما نحن بصدده ، من الاستدلال على أن الآية وردت في المتعة فإن الصحابيين كابن عباس وهو حبر الأمة وابن مسعود لا يدخلون فيه تفسيرا غير مطمئنين بكونه المقصود ، وغير متعلقين من النبي صلَّى اللَّه عليه وآله حاشا وهل هذا الاسوء الظن بمثل هؤلاء الصحابيين ؟ كيف وقد ثبت أنهم فعلوا المتعة مستندين بالآية المتلقاة مع البيان منه صلَّى اللَّه عليه وآله .