منذ نشوء
النظرية متعرفا سبب النشأة ثم ما طرأ على النظرية
من تطور وما وجه لها من نقد .
وأجلى
وأخصر عرض تاريخي أبان عن نشأة النظرية وسببها
فيما لدي من مراجع - هو ما ذكره ابن رشد في كتابه
( تهافت التهافت ) . ولهذا فضلت ان أنقله هنا بنصه
مكتفيا به مع التصرف اليسير بحذف زوائده اختصارا .
يقول ابن
رشد : وهذه القضية القائلة : ( ان الواحد لا يصدر عنه
الا واحد ) ، هي قضية اتفق عليها القدماء من الفلاسفة
حين كانوا يفحصون عن المبدأ الأول للعالم بالفحص
الجدلي وهم يظنونه الفحص البرهاني .
فاستقر رأي
الجميع منهم على :
أن المبدأ
واحد للجميع .
وأن
الواحد يجب أن لا يصدر عنه الا واحد . فلما استقر
عندهم هذان الأصلان طلبوا من أين جاءت الكثرة ؟ !
وذلك بعد أن بطل عندهم الرأي الأقدم من هذا ، وهو أن
المبادئ الأول اثنان : أحدهما للخير والآخر للشر .
فلما تقرر
بالآخرة عندهم ان المبدأ الأول يجب ان يكون واحدا ،
ووقع هذا الشك في الواحد أجابوا بأجوبة ثلاثة :
فبعضهم
زعم أن الكثرة انما جاءت من قبل الهيولى .
وبعضهم
زعم أن الكثرة إنما جاءت من قبل كثرة الآلات .
وبعضهم
زعم أن الكثرة إنما جاءت من قبل المتوسطات .
وأما
المشهور اليوم فهو ضد هذا ، وهو أن الواحد الأول صدر
عنه صدورا أولا جميع الموجودات المتغايرة .
وأما
الفلاسفة من أهل الاسلام كأبي نصر ( الفارابي ) وابن
سينا فلما سلموا لخصومهم : ان الفاعل في الغائب
كالفاعل في الشاهد ، وان الفاعل الواحد لا يكون منه
الا مفعول واحد .
وكان الأول
عند الجميع واحدا بسيطا ، عسر عليهم كيفية وجود
الكثرة عنه ، حتى اضطرهم الأمر ان لا يجعلوا الأول
هو محرك الحركة اليومية .
خلاصة علم الكلام — صفحة 82
مساهمون: الشيخ عبد الهادي الفضلي
ص٨٢