كانت قريش تلطَّخ الأصنام الَّتي كانت حول الكعبة بالمسك والعنبر . وكان يغوث قبال الباب . و [ كان ] ( 1 ) يعوق عن يمين الكعبة . وكان نسر عن يسارها . وكانوا إذا دخلوا ، خرّوا سجّدا ليغوث ، ولا ينحنون . ثمّ يستديرون بحيالهم إلى يعوق . ثمّ يستديرون عن يسارها بحيالهم إلى نسر . ثمّ يلبّون فيقولون : لبّيك اللَّهمّ لبّيك ! لبّيك لا شريك لك [ إلَّا شريك هو لك ] ( 2 ) تملكه وما ملك .
قال : فبعث اللَّه ذبابا أخضر له أربعة أجنحة . فلم يبق من ذلك المسك والعنبر شيئا إلَّا أكله . وأنزل اللَّه - عزّ وجلّ - : « يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ » ( 3 ) « مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ والْمَطْلُوبُ .
« ما قَدَرُوا اللَّهً حَقَّ قَدْرِهِ » : ما عرفوه حقّ معرفته ، حيث أشركوا به ، وسمّوا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة .
« إِنَّ اللَّهً لَقَوِيٌّ » على خلق الممكنات بأسرها « عَزِيزٌ ( 74 ) » لا يغلبه شيء .
وآلهتهم الَّتي يدعونها عجزة عن أقلَّها ، مقهورة من أذلَّها .
« اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً » يتوسّطون بينه وبين الأنبياء بالوحي « ومِنَ النَّاسِ » يدعون سائرهم إلى الحقّ ، ويبلَّغون إليهم ما نزل .
كأنّه لمّا قرّر وحدانيّته في الألوهيّة ، ونفى أن يشاركه غيره في صفاتها ، بيّن أنّ له عبادا مصطفين للرّسالة ، يتوسّل بإجابتهم والاقتداء بهم إلى عبادة اللَّه - سبحانه - وهو أعلى المراتب ومنتهى الدّرجات لمن عداه من الموجودات ، تقريرا للنّبوّة وتزييفا لقولهم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ( 4 ) ، والملائكة بنات اللَّه ، ونحو ذلك .
وفي كتاب الاحتجاج ( 5 ) للطَّبرسيّ - رحمه اللَّه - عن عليّ - عليه السّلام - حديث طويل . وفيه : فاصطفى - جلّ ذكره - من الملائكة رسلا وسفرة بينه وبين خلقه . وهم الَّذين قال فيهم : « اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً ومِنَ النَّاسِ » .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم ( 6 ) : قوله - عزّ وجلّ - : « اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً » .
هامش
1 - من المصدر .
2 - ليس في م .
3 - المصدر : يدعون .
4 - الزمر / 3 .
5 - الاحتجاج / 247 .
6 - تفسير القمّي 2 / 87 .