نفس الأرض لم يستقم إلا أن يقال : والأرض آية للموقنين وضاع المراد وهو أن في وجود الأرض جهات كل واحدة منها آية وحدها .
فمعنى قوله :
إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الخ ؛ أن لوجود السماوات والأرض جهات دالة على أن اللّه تعالى هو خالقها المدبّر لها وحده لا شريك له فإنها بحاجتها الذاتية إلى من يوجدها وعظمة خلقتها وبداعة تركيبها واتصال وجود بعضها ببعض وارتباطه على كثرتها الهائلة واندراج أنظمتها الجزئية الخاصة بكل واحد تحت نظام عام يجمعها ويحكم فيها تدل على أن لها خالقا هو وحده ربها المدبر أمرها فلو لا أن هناك من يوجدها لم توجد من رأس ، ولولا أن مدبرها واحد لتناقضت النظامات وتدافعت واختلف التدبير .
قوله تعالى :
وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
البث التفريق والإثارة وبثه تعالى للدواب خلقها وتفريقها ونشرها على الأرض كما قال في خلق الإنسان :
ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
( الروم / 20 ) .
ومعنى الآية : وفيكم من حيث وجودكم المخلوق وفيما يفرّقه من دابة من حيث خلقها آيات لقوم يسلكون سبيل اليقين .
وخلق الإنسان على كونه موجودا أرضيا له ارتباط بالمادة نوع آخر من الخلق يغاير خلق السماوات والأرض لأنه مركب من بدن أرضي مؤلف من مواد كونية عنصرية تفسد بالموت بالتفرق والتلاشي وأمر آخر وراء ذلك علوي غير مادي لا يفسد بالموت بل يتوفى ويحفظ عند اللّه ، وهو الذي يسميه القرآن بالروح قال تعالى :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
( الحجر / 29 ) ، وقال بعد ذكر خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة ثم مضغة ثم تتميم خلق بدنه :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
( المؤمنون / 14 ) ، وقال :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
( ألم السجدة / 11 ) .
فالناظر في خلق الإنسان ناظر في آية ملكوتية وراء الآيات المادية وكذا الناظر في خلق