ألوهية وإنما كان عبدا أنعم اللّه عليه بما أنعم ، وأما آلهتهم فنظر القرآن فيهم ظاهر .
قوله تعالى :
وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ
الظاهر أن الآية متصلة بما قبلها مسرودة لرفع استبعاد أن يتلبّس البشر من الكمال ما يقصه القرآن عن عيسى عليهم السّلام فيخلق الطير ويحيي الموتى ويكلم الناس في المهد إلى غير ذلك ، فيكون كالملائكة المتوسطين في الإحياء والإماتة والرزق وسائر أنواع من الكمال عند الوثنية مع ذلك عبدا غير معبود ومألوها غير إله فإن هذا النوع من الكمال عند الوثنية مختص بالملائكة وهو ملاك ألوهيتهم ومعبوديتهم وبالجملة هم يحيلون تلبّس البشر بهذا النوع من الكمال الذي يخصونه بالملائكة .
فأجيب فإن للّه أن يزكي الإنسان ويطهره من دناس المعاصي بحيث يصير باطنه باطن الملائكة فظاهره ظاهر البشر وباطنه باطن الملك يعيش في الأرض يخلف مثله ويخلفه مثله ويظهر منه ما يظهر من الملائكة « 1 » .
وعلى هذا فمن في قوله :
« مِنْكُمْ »
للتبعيض ، وقوله :
« يَخْلُفُونَ »
أي يخلف بعضهم بعضا .
وفي المجمع أن « من » في قوله :
« مِنْكُمْ »
تفيد معنى البدلية كما في قوله :
فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبرّدة باتت على الطهيان « 2 »
وقوله :
« يَخْلُفُونَ »
أي يخلفون بني آدم ويكونون خلفاء لهم ، والمعنى : ولو نشاء أهلكناكم وجعلنا بدلكم ملائكة يسكنون الأرض ويعمرونها ويعبدون اللّه .
وفيه أنه لا يلائم النظم تلك الملاءمة .
قوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ
هامش
( 1 ) . وليس هذا من الانقلاب المحال في شيء بل نوع من التكامل الوجودي بالخروج من حد منه أدنى إلى حد منه أعلى كما بين في محله .
( 2 ) . الطهيان قلة الجبل ، ومعنى البيت : ليت لنا بدلا من ماء زمزم شربة من الماء مبردة بقيت ليلة على قلة الجبل .