بيان :
قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ
البراء مصدر من برئ يبرأ فهو بريء فمعنى
« إِنَّنِي بَراءٌ »
: إنني ذو براء أو بريء على سبيل المبالغة مثل زيد عدل .
وفي الآية إشارة إلى تبرّي إبراهيم عليه السّلام مما كان يعبده أبوه وقومه من الأصنام والكواكب بعد ما حاجّهم فيها فاستندوا فيها إلى سيرة آبائهم على ما ذكر في سور الأنعام والأنبياء والشعراء وغيرها .
والمعنى : واذكر لهم إذ تبرّأ إبراهيم عن آلهة أبيه وقومه إذ كانوا يعبدونها تقليدا لآبائهم من غير حجة وقام بالنظر وحده .
قوله تعالى :
إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
أي إلّا الذي أوجدني وهو اللّه سبحانه ، وفي توصيفه تعالى بالفطر إشارة إلى الحجة على ربوبيته وألوهيته فإن الفطر والإيجاد لا ينفكّ عن تدبير أمر الموجود المفطور فالذي فطر الكلّ هو الذي يدبّر أمرهم فهو الحقيق أن يعبد .
وقوله :
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
أي إلى الحق الذي أطلبه ، وقيل : أي إلى طريق الجنة ، وفي هذه الجملة إشارة إلى خاصة أخرى ربوبية وهي الهداية إلى السبيل الحق يجب أن يسلكه الإنسان فإن السوق إلى الكمال من تمام التدبير فعلى الرب المدبّر لأمر مربوبه أن يهديه إلى كماله وسعادته ، قال تعالى :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
( طه / 50 ) ، وقال :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
( النحل / 9 ) ، فالرجوع إلى اللّه بتوحيد العبادة يستتبع الهداية كما قال تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
( العنكبوت / 69 ) .
والاستثناء في قوله :
« إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي »
منقطع لأن الوثنيين لا يعبدون اللّه كما مرّ مرارا ،