تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
مراده تعالى عن إرادته لكنا نعبدهم فهو لم يشأ ذلك وعدم مشيته عدم عبادتهم إذن في عبادتهم فلا منع من قبله تعالى عن عبادة الشركاء والملائكة منهم ، وهذا المعنى هو المنساق إلى الذهن من قوله في سورة الأنعام :
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ
( الأنعام / 148 ) ، على ما يعطيه السياق ما قبله وما بعده . وتقرّر تارة لإبطال النبوة القائلة أن اللّه يوجب عليكم كذا وكذا ويحرّم عليكم كذا كذا بأن يقال لو شاء اللّه أن لا نعبد الشركاء ولا نحلّ ولا نحرّم شيئا لم نعبد الشركاء ولم نضع من عندنا حكما لاستحالة تخلّف مراده تعالى عن إرادته لكنّا نعبدهم ونحلّ ونحرّم أشياء فلم يشأ اللّه سبحانه منا شيئا ، فقول إن اللّه يأمركم بكذا وينهاكم عن كذا وبالجملة إنه شاء كذا باطل . وهذا المعنى هو الظاهر المستفاد من قوله تعالى في سورة النحل :
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
( النحل / 35 ) ، بالنظر إلى السياق . وقولهم في محكيّ الآية المبحوث عنها :
« لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ »
على ما يفيده سياق الآيات السابقة واللاحقة مسوق للاحتجاج على المعنى الأول وهو تصحيح عبادتهم للملائكة فيكون في معنى آية سورة الأنعام وأخصّ منها . وقوله :
« ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ »
أي هو منهم قول مبني على الجهل فإنه مغالطة خلطوا فيها بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية وأخذ الأولى مكان الثانية ، فمقتضى الحجة أن لا إرادة تكوينية منه تعالى متعلقة بعدم عبادتهم الملائكة وانتفاء تعلّق هذا النوع من الإرادة بعدم عبادتهم لهم لا يستلزم انتفاء تعلق الإرادة التشريعية به . فهو سبحانه لما لم يشأ أن لا يعبدوا الشركاء بالإرادة التكوينية كانوا مختارين غير مضطرّين على فعل أو ترك فأراد منهم بالإرادة التشريعية أن يوحّدوه ولا يعبدوا الشركاء ، والإرادة التشريعية لا يستحيل تخلف المراد عنها لكونها اعتبارية غير حقيقية ، وإنما تستعمل
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 606 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي