تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
وسعة صدره كما قال في مثل ضربه في ذلك :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
( الرعد / 17 ) . وكذلك الأحكام والتكاليف الشرعية لو كلّف بجميعها جميع الناس لتحرّجوا منها ولم يتحمّلوها لكنه سبحانه قسّمها بينهم حسب تقسيم الابتلاءات المقتضية لتوجّه التكاليف المتنوّعة بينهم . فالرزق بالمعارف والشرائع من أي جهة فرض كالرزق الصوري مفروز بين الناس مقدّر على حسب صلاح حالهم . قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ
القنوط اليأس ، والغيث المطر ، قال في مجمع البيان : الغيث ما كان نافعا في وقته ، والمطر قد يكون نافعا وقد يكون ضارّا في وقته وغير وقته . انتهى . ونشر الرحمة تفريق النعمة بين الناس بإنبات النبات وإخراج الثمار التي يكون سببها المطر . وفي الآية انتقال من حديث الرزق إلى آيات التوحيد التي لها تعلّق ما بالأرزاق ، ويتلوها في هذا المعنى آيات ، وتذييل الآية بالاسمين : الوليّ الحميد وهما من أسمائه تعالى الحسنى للثناء عليه في فعله الجميل . قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ
الخ ؛ البث التفريق ، ويقال : بثّ الريح التراب إذا أثاره ، والدابة كل ما يدبّ على الأرض فيعمّ الحيوانات جميعا ، والمعنى ظاهر . وظاهر الآية أن في السماوات خلقا من الدواب كالأرض ، وقول بعضهم : إنما في السماوات من دابة هي الملائكة يدفعه أن إطلاق الدواب على الملائكة غير معهود . وقوله :
وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
إشارة إلى حشر ما بثّ فيهما من دابة وقد عبّر بالجمع لمقابلته البث الذي هو التفريق ، ولا دلالة في قوله :
« عَلى جَمْعِهِمْ »
حيث أتى