ففي قوله :
وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ
بيان للسنّة الإلهية في إيتاء الرزق بالنظر إلى صلاح حال الناس أي إن لصلاح حالهم أثرا في تقدير أرزاقهم ، ولا ينافي ذلك ما نشاهد من طغيان بعض المثرين ونماء رزقهم على ذلك فإن هناك سنّة أخرى حاكمة على هذه السنة وهي سنة الابتلاء والامتحان ، قال تعالى :
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
( التغابن / 15 ) ، وسنّة أخرى هي سنة المكر والاستدراج ، قال تعالى :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
( الأعراف / 183 ) .
فسنة الإصلاح بتقدير الرزق سنة ابتدائية يصلح بها حال الإنسان إلا أن يمتحنه اللّه كما قال :
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ
( آل عمران / 154 ) أو يغيّر النعمة ويكفر بها فيغيّر اللّه في حقه سنته فيعطيه ما يطغيه ، قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
( الرعد / 11 ) .
وكما أن إيتاء المال والبنين وسائر النعم الصورية من الرزق المقسوم كذلك المعارف الحقة والشرائع السماوية المنتهية إلى الوحي من حيث إنزالها ومن حيث الابتلاء بها والتلبّس بالعمل بها من الرزق المقسوم .
فلو نزلت المعارف والأحكام عن آخرها دفعة واحدة - على ما لها من الإحاطة والشمول لجميع شؤون الحياة الإنسانية - لشقّت على الناس ولم يؤمن بها إلا الأوحدي منهم لكن اللّه سبحانه أنزلها على رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تدريجا وعلى مكث وهيّأ بذلك الناس بقبول بعضها لقبول بعض ، قال تعالى :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ
( الإسراء / 106 ) .
وكذا المعارف العالية التي هي في بطون المعارف الساذجة الدينية لو لم يضرب عليها بالحجاب وبيّنت لعامة الناس على حد الظواهر المبينة لهم لم يتحملوها ودفعته أفهامهم إلا الأوحدي منهم لكن اللّه سبحانه كلّمهم في ذلك نوع تكليم يستفيد منه كل على قدر فهمه