تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
في الآية التالية مقيدة بالباطل لإدحاض الحق . فالمراد بالمجادلة في آيات اللّه هي المجادلة لإدحاضها ودفعها وهي المذمومة ولا تشمل الجدال لإثبات الحق والدفاع عنه كيف ؟ وهو سبحانه يأمر نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بذلك إذا كان جدالا بالتي هي أحسن قال تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
( النحل / 125 ) . وقوله :
إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
ظاهر السياق أنهم الذين رسخ الكفر في قلوبهم فلا يرجى زواله ، وقد قيل
« ما يُجادِلُ »
ولم يقل : لا يجادل ، وكذا ظاهر قوله :
« فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ »
أن المراد بهم الكفار المعاصرون للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وإن لم يكونوا من أهل مكة . وتقلبهم في البلاد انتقالهم من طور من أطوار الحياة إلى طور آخر ومن نعمة إلى نعمة في سلامة وصحة وعافية ، وتوجيه النهي عن الغرور إلى تقلبهم في البلاد كناية عن نهي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن الاغترار بما يشاهده منهم أن يحسب أنهم أعجزوه سبحانه . قوله تعالى :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ
الخ ؛ في مقام الجواب عما يسبق إلى الوهم أنهم استكبروا وجادلوا في آيات اللّه فلم يكن بهم بأس وسبقوا في ذلك . ومحصل الجواب : أن الأمم الماضين كقوم نوح والأحزاب من بعدهم كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم سبقوا هؤلاء إلى مثل صنيعهم من التكذيب والجدال بالباطل وهموا برسولهم ليأخذوه فحلّ بهم العقاب وكذلك قضى في حق الكفار العذاب فتوهم أن هؤلاء سبقوا اللّه إلى ما يريد توهم باطل . فقوله :
« كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ »
دفع للدخل السابق ولذا جيء بالفصل ، وقوله :
« وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ »
يقال : هم به أي قصده ويغلب فيه القصد بالسوء أي قصدوا رسولهم ليأخذوه بالقتل أو الإخراج أو غيرهما كما قصه اللّه تعالى في قصصهم .