وأما على قول بعض المفسرين من أن المتخاصمين الداخلين عليه كانوا بشرا والقصة على ظاهرها فينبغي أن يؤخذ قوله :
« لَقَدْ ظَلَمَكَ »
الخ ؛ قضاء تقديريا أي إنك مظلوم لو لم يأت خصيمك بحجة بينة ، وإنما ذلك للحفظ على ما قامت عليه الحجة من طريقي العقل والنقل أن الأنبياء معصومون بعصمة من اللّه لا يجوز عليهم كبيرة ولا صغيرة .
على أن اللّه سبحانه صرح قبلا بأنه آتاه الحكمة وفصل الخطاب ولا يلائم ذلك خطأه في القضاء .
قوله تعالى :
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ
الزلفة والزلفى المنزلة والحظوة ، والمآب المرجع ، وتنكير
« لَزُلْفى »
و
« مَآبٍ »
للتفخيم ، والباقي ظاهر .
قوله تعالى :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
إلى آخر الآية الظاهر أن الكلام بتقدير القول والتقدير فغفرنا له ذلك وقلنا يا داود ، الخ .
وظاهر الخلافة إنها خلافة اللّه فتنطبق على ما في قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
( البقرة / 30 ) ومن شأن الخلافة أن يحاكي الخليفة من استخلفه في صفاته وأعماله فعلى خليفة اللّه في الأرض أن يتخلق بأخلاق اللّه ويريد ويفعل ما يريده اللّه ويحكم ويقضي بما يقضي به اللّه - واللّه يقضي بالحق - ويسلك سبيل اللّه ولا يتعداها .
ولذلك فرّع على جعل خلافته قوله :
« فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ »
وهذا يؤيد أن المراد بجعل خلافته إخراجها من القوة إلى الفعل في حقه لا مجرد الخلافة الشأنية لأن اللّه أكمله في صفاته وآتاه الملك يحكم بين الناس .
وقوله :
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
العطف والمقابلة بينه وبين ما قبله يعطيان أن المعنى ولا تتبع في قضائك الهوى هوى النفس فيضلك عن الحق الذي هو سبيل اللّه فتفيد الآية أن سبيل اللّه هو الحق .
قال بعضهم : إن في أمره عليه السّلام بالحكم بالحق ونهيه عن اتباع الهوى تنبيها لغيره ممن يلي