قوله تعالى :
أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
الاستفهام للإنكار والآية بيان للحجة السابقة المذكورة في قوله :
« قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ »
الخ ؛ ببيان أقرب إلى الذهن وذلك بتبديل إنشائهم أول مرة من خلق السماوات والأرض الذي هو أكبر من خلق الإنسان كما قال تعالى :
« لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ »
( المؤمن / 57 ) .
فالآية في معنى قولنا : وكيف يمكن أن يقال : إن اللّه الذي خلق عوالم السماوات والأرض بما فيها من سعة الخلقة البديعة وعجيب النظام العام المتضمن لما لا يحصى من الأنظمة الجزئية المدهشة للعقول المحيرة للالباب والعالم الإنساني جزء يسير منها ، لا يقدر أن يخلق مثل هؤلاء الناس ، بلى وإنه خلاق عليم .
والمراد بمثلهم قيل : هم وأمثالهم وفيه أنه مغاير لمعنى مثل على ما يعرف من اللغة والعرف .
فالحق أن يقال : إن المراد بخلق مثلهم إعادتهم للجزاء بعد الموت كما يستفاد من كلام الطبرسي رحمه اللّه في مجمع البيان .
بيانه أن الإنسان مركب من نفس وبدن ، والبدن في هذه النشأة في معرض التحلل والتبدل دائما فهو لا يزال يتغير أجزاؤه والمركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه فهو في كلا آن غيره في الآن السابق بشخصه وشخصية الإنسان محفوظة بنفسه - روحه - المجردة المنزهة عن المادة والتغيرات الطارئة من قبلها المأمونة من الموت والفساد .
والمتحصل من كلامه تعالى أن النفس لا تموت بموت البدن وأنها محفوظة حتى ترجع إلى اللّه سبحانه كما تقدم استفادته من قوله تعالى :
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
( ألم السجدة / 11 ) .