وفي قوله :
فَأَخْرَجْنا بِهِ
الخ ؛ التفات من الغيبة إلى التكلم . قيل : إن ذلك لكمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن كمال القدرة والحكمة .
ونظير الوجه يجري في قوله السابق :
« إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً »
وأما ما في الآية السابقة من قوله :
« ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ »
فلعل الوجه فيه أن أمرهم إلى اللّه لا يتخلل بينه وبينهم أحد حتى يشفع لهم أو ينصرهم فينجوا من العذاب .
وقوله :
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ
الجدد بالضم فالفتح جمع جدة بضم الجيم وهي الطريقة والجادة ، والبيض والحمر جمع ابيض وأحمر ، والظاهر أن قوله :
« مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها »
صفة لجدد و
« أَلْوانُها »
فاعل
« مُخْتَلِفاً »
ولو كانت الجملة مبتدأ وخبرا لقيل : مختلفة ألوانها كما قيل ، والغرابيب جمع غربيب وهو الأسود الشديد السواد ومنه الغراب و
« سُودٌ »
بدل أو عطف بيان لغرابيب .
والمعنى : ألم تر أن من الجبال طرائق بيض وحمر وسود مختلف ألوانها ، والمراد إما الطرق المسلوكة في الجبال ولها ألوان مختلفة ، وإما نفس الجبال التي هي خطوط مختلفة ممدودة على وجه الأرض بيض وحمر وسود مختلف ألوانها .
قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ
أي ومن الناس والدواب التي تدب في الأرض والأنعام كالإبل والغنم والبقر بعض مختلف ألوانه بالبياض والحمرة والسواد كاختلاف الثمرات والجبال في ألوانها .
قوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
استئناف يوضح أن الاعتبار بهذه الآيات إنما يؤثر أثره ويورث الإيمان باللّه حقيقة والخشية منه بتمام معنى الكلمة في العلماء دون الجهال ، وقد مر أن الإنذار إنما ينجح فيهم حيث قال :
« إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ »
فهذه الآية كالموضحة لمعنى تلك تبين أن الخشية حق الخشية إنما توجد في العلماء .