منعم أو هل من راحم لكن بدّل ذلك من قوله :
« هَلْ مِنْ خالِقٍ »
ليكون إشارة إلى برهان ثان ينقطع به الخصام ، فإنهم يرون تدبير العالم لآلهتهم بإذن اللّه فلو قيل : هل من رازق أو منعم غير اللّه لم ينقطع الخصام وأمكن أن يقولوا نعم آلهتنا بتفويض التدبير من اللّه إليهم لكن لما قيل
« هَلْ مِنْ خالِقٍ »
أشير بالوصف إلى أن الرازق والمدبر هو خالق الرزق لا غير فانقطع الخصام ولم يمكنهم إلا أن يجيبوا بنفي خالق غير اللّه يرزقهم من السماء والأرض .
وقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
اعتراض بالتوحيد يفيد التعظيم نظير قوله :
وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ
.
أي لا معبود بالحق إلا هو لأن المستحق للعبادة هو الذي ينعم عليكم ويرزقكم وليس إلا اللّه .
وقوله :
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
توبيخ متفرع على ما سبق من البرهان أي فإذا كان الأمر هكذا وأنتم تقرون بذلك فإلى متى تصرفون عن الحق إلى الباطل ومن التوحيد إلى الإشراك .
وفي إعراب الآية أعني قوله :
« هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ »
الخ ؛ بين القوم مشاجرات طويلة والذي يناسب ما تقدم من تقرير البرهان أن
« مِنْ »
زائدة للتعميم ، وقوله :
« غَيْرُ اللَّهِ »
صفة لخالق تابع لمحله ، وكذا قوله :
« يَرْزُقُكُمْ »
الخ ؛ و
« مِنْ خالِقٍ »
مبتدأ محذوف الخبر وهو موجود ، وقوله :
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
اعتراض ، وقوله :
« فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ »
تفريع على ما تقدمه .
قوله تعالى :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أي وإن يكذبوك بعد استماع هذه البراهين الساطعة فلا تحزن فليس ذلك ببدع فقد كذبت رسل من قبلك كذبتهم أممهم وأقوامهم وإلى اللّه ترجع عامة الأمور فيجازيهم بما يستحقونه بتكذيبهم الحق بعد ظهوره فليسوا بمعجزين بتكذيبهم .
ومن هنا يظهر أن قوله :
« فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ »
من قبيل وضع السبب موضع