فأيّ صحابيّ عادل ، عاصر نبيّ الرحمة ووعى منه هاتيك الكلمات الدرّية ، وشاهد مولانا عليه السّلام ، وعرف انطباقها عليه بتمام معنى الكلمة ، ثمّ ينحاز عنه ويتّخذ سبيلا غير سبيله فيبغي به الغوائل ، ويتربّص به الدوائر ، ويقع فيه بملء فمه وحشو فؤاده ، ويرميه بقذائف الحقد والشنآن ؟ !
لعلّك لا تجد مسلما هو هكذا غير من ألهته العصبيّة عن الهدى ، وتدهورت به إلى هوّة الشهوات السحيقة . ولعلّك لا تجد ذلك الرجل البائس إلّا ابن أبي سفيان المجابه للكتاب والسنّة ، بعد الإنكار بقلبه بالهزء والسخريّة بلسانه ، فعل مردة الوقت وطواغيت الامّة ؛ فتراه عندما روى له سعد بن أبي وقّاص - أحد العشرة المبشّرة - أحاديث ممّا سمعه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في عليّ عليه السّلام ونهض ليقوم ضرط له معاوية استهزاء ، كما مرّ « 1 » حديثه .
وحينما ذكر له أبو ذرّ الغفاري ذلك الصادق المصدّق قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله :
« إست معاوية في النار » ، جابهه بالضحك وأمر بحبسه « 2 » .
ولمّا بقر عبد الرحمن بن سهل الأنصاري روايا خمر لمعاوية وبلغه شأنه ، قال : « دعوه فإنّه شيخ قد ذهب عقله » « 3 » ، يستهزئ بإنكاره على تلك الكبيرة الموبقة ، وليت شعري بم هذا الهزء والسخريّة ؟ ! أبا لصحابيّ العادل ؟ ! أم بمن استند إليه في حكمه بتحريم الخمر ؟ ! أم بالشريعة الّتي جاءت به ؟ ! إنّ ابن آكلة الأكباد بمقربة من كلّ ذلك . أو أنّه لا يدين اللّه بذلك الحكم البات ؟ !
ولمّا سمع من عمرو بن العاص ما حدّثه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من قوله لعمّار :
« تقتلك الفئة الباغية » ، قال لعمرو : « إنّك شيخ أخرق ، ولا تزال تحدّث
هامش
( 1 ) - مرّ في ص 408 من كتابنا هذا .
( 2 ) - انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد [ 8 / 255 ، خطبة 130 ] .
( 3 ) - ذكره ابن حجر في الإصابة 2 : 401 .