وعبد اللّه بن مسعود الّذي خلّف تسعين ألفا كما في صفة الصفوة و . . .
فلم تسمع اذن الدنيا أنّ أبا ذرّ وجّه إلى أحد من هؤلاء الأثرياء لوما ؛ لأنّه كان يعلم بأنّهم اقتنوها من طرقها المشروعة وأدّوا ما عليهم منها وزادوا ، وراعوا حقوق المروءة حقّ رعايتها ، وما كان يبغي بالناس إلّا هذه .
لماذا يرى أبو ذرّ بناء معاوية الخضراء في دمشق فيقول : « يا معاوية ! إن كانت هذه الدار من مال اللّه فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف » ؛ فسكت معاوية .
ويقول أبو ذرّ : « واللّه لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، واللّه ما هي في كتاب اللّه ولا سنّة نبيّه ، واللّه إنّي لأرى حقّا يطفأ ، وباطلا يحيى ، وصادقا يكذّب ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه » « 1 » .
ويرى بناء المقداد داره بالمدينة بالجرف وقد جعلها مجصّصة الظاهر والباطن كما في مروج الذهب « 2 » ؛ فلا ينكره عليه ولا ينهاه عنه ولا ينبس ببنت شفة ؛ وليس ذلك إلّا لما كان يراه من الفرق الواضح بين المالين والبناءين وصاحبيهما .
وأمّا وجوب إنفاق المال الزائد على القوت كلّه الّذي عزاه إلى سيّدنا أبي ذرّ المختلقون ، فمن أفاكئهم المفتريات ، لم يدّعه أبو ذرّ ولا دعا إليه ؛ وكيف يكون ذلك وأبو ذرّ يعي من شريعة الحقّ وجوب الزكاة ؟ ! وهل يمكن ذلك إلّا بعد اليسار والوفر الزائد على المؤن ؟ ! واللّه سبحانه يقول :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ
« 3 » . وفي تنكير الصدقة و « من » التبعيض دلالة على أنّ المأخوذ بعض المال لا كلّه .
هامش
( 1 ) - راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد [ 8 / 255 ، خطبة 130 ] .
( 2 ) - مروج الذهب 1 : 434 [ 2 / 351 ] .
( 3 ) - التوبة : 103 .