على أنّ النصب الزكويّة المضروبة في النقدين والأنعام والغلّات كلّها نصوص على أنّ الباقي من المال مباح لأربابه . ولأبي ذرّ نفسه في آداب الزكاة أحاديث أخرجها البخاري ومسلم وغيرهما من رجال الصحاح وأحمد والبيهقي وغيرهم .
فلو كان يجب إنفاق بعد إخراج الزكاة فما معنى التحديد بالنصب والإخراج منها ؟ !
وهذا معنى واضح لا يخفى على كلّ مسلم ، فضلا عن مثل أبي ذرّ الّذي هو وعاء العلم والمحيط بالسنّة الشريفة .
ولو كانت على المكلّف بقيّة من الواجب بعد الزكاة لم يؤدّها فما معنى الفلاح الّذي وصف اللّه تعالى به المؤمنين :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ؟
! « 1 »
ولو كان لأبي ذرّ أدنى شذوذ عن الطريقة المثلى في حكم إلهيّ ، شذوذا يخلّ بنظام المجتمع ويقلق السّلام والوئام ، وتكثر حوله القلاقل ، وفيه إثارة العواطف والإخلال بالأمن أو التزحزح عن مبادئ الإسلام ، لكان مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام أوّل من يردعه ويحبسه عن قصده السيّئ وأبو ذرّ أطوع له من الظلّ لذيه ؛ لكنّه عليه السّلام بدلا عن ذلك يقول : « غضبت للّه فارج من غضبت له » .
ويقول : « واللّه ما أردت تشييع أبي ذرّ إلّا للّه » . ويقول لعثمان : « اتّق اللّه فإنّك سيّرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك » . وأمير المؤمنين من تعرفه بتنمّره في ذات اللّه لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، وهو مع الحقّ والحقّ معه في كلّ ما يقول ويفعل .
وهل ترى أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مع أنّه كان يعلم أنّ أبا ذرّ سوف ينوء في
هامش
( 1 ) - المؤمنون : 1 - 4 .