ويستجلبه على قتب بغير وطاء ، يطير مركبه خمسة من الصقالبة « 1 » الأشدّاء حتّى أتوا به المدينة وقد تسلّخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف ، ولم يفتأ يسومه سوء العذاب حتّى سالت نفسه في منفاه الأخير - الربذة - على غير ماء ولا كلأ ، يلفحه حرّ الهجير ، وليس له من وليّ حميم يمرّضه ، ولا أحد من قومه يواري جثمانه الطاهر ، مات رحمه اللّه وحده ، وسيحشر وحده كما أخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الّذي خوّله بتلكم الفضائل ، واللّه سبحانه من فوقهما نعم الخصيم للمظلوم ، فانظر لمن الفلج « 2 » يومئذ .
لقد كان الخليفة يباري الريح في العطاء لحامّته ومن ازدلف إليه ممّن يجري مجراهم ، فملكوا من عطاياه وسماحه الملايين ، وليس فيهم من يبلغ شأو أبي ذرّ في السوابق والفضائل ، ولا يشقّ له غبارا في أكرومة ، فماذا الّذي أخّر أبا ذرّ عنهم حتّى قطعوا عنه عطاءه الجاري ، ومنعوه الحظوة بشيء من الدعة ، وأجفلوه عن عقر داره وجوار النبيّ الأعظم ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ؟ !
ولماذا نودي عليه في الشام أن لا يجالسه أحد « 3 » ؟ ! ولماذا يفرّ الناس منه في المدينة ؟ !
ولماذا حظر عثمان على الناس أن يقاعدوه ويكلّموه ؟ ! ولماذا يمنع الخليفة عن تشييعه ويأمر مروان أن لا يدع أحدا يكلّمه ؟ !
هامش
( 1 ) - [ « الصقالبة » : جيل من الناس كانت مساكنهم إلى الشمال من بلاد البغار وانتشروا في كثير من شرق أوروبا ، وهم المسمّون الآن بالسلاف ؛ انظر المعجم الوسيط . وقيل هم الروس والروس البيض واليوغسلافيون ؛ انظر أعلام المنجد . وقيل : هم جيل حمر الألوان ، صهب الشعور ، يتآخمون الخزر وبعض جبال الروم . وقيل للرجل الأحمر :
صقالب تشبيها بهم ؛ انظر لسان العرب 1 / 526 ] .
( 2 ) - [ « الفلج » : الظفر والفوز ] .
( 3 ) - أخرجه ابن سعد في الطبقات 4 : 168 [ 4 / 229 ] .