تقول للّه عزّ وجلّ إذ لقيته ولم تستخلف على عباده » « 1 » ؟
وقالت عائشة لابن عمر : « يا بنيّ ! أبلغ سلامي وقل له : لا تدع امّة محمّد بلا راع ، استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا ؛ فإنّي أخشى عليهم الفتنة . . . » « 2 » .
وهذا معاوية بن أبي سفيان يتمسّك بهذا الحكم العقليّ المسلّم في استخلاف يزيد ويقول : « إنّي أرهب أن أدع أمّة محمّد بعدي كالضأن لا راعي لها » « 3 » .
ليت شعري هذا الدليل العقليّ المتسالم عليه لم أهملته الامّة في استخلاف النبيّ الأعظم واتّهمته بالصفح عنه ؟ !
ولا يجوز أيضا توكيل الأمر إلى أفراد الامّة ، أو إلى أهل الحلّ والعقد منهم ؛ لأنّ ممّا أوجبه العقل السليم أن يكون الإمام مكتنفا بشرائط بعضها من النفسيّات الخفيّة ، الملكات الّتي لا يعلمها إلّا العالم بالسرائر « 4 » ؛ كالعصمة والقداسة الروحيّة والنزاهة النفسيّة لتبعده عن الأهواء والشهوات ، والعلم الّذي لا يضلّ معه في شيء من الأحكام ، إلى كثير من الأوصاف الّتي تقوم بها النفس ، ولا يظهر في الخارج منها إلّا جزئيّات من المستصعب الحكم باستقرائها على ثبوت كليّاتها :
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ
« 5 » .
و
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
« 6 » .
فالامّة المنكفئ علمها عن الغيوب لا يمكنها تشخيص من تحلّى بتلك الصفات ؛ فالغالب على خيرتها الخطأ ؛ فإذا كان نبيّ كموسى على نبيّنا وآله وعليه السّلام تكون وليدة اختياره من الآلاف المؤلّفة سبعين رجلا ، وإنّهم لمّا
هامش
( 1 ) - سنن البيهقي 8 : 149 عن صحيح مسلم [ 4 / 102 ، ح 12 ، كتاب الإمارة ] .
( 2 ) - الإمامة والسياسة 1 : 22 [ 1 / 28 ] .
( 3 ) - تاريخ الطبري 6 : 170 [ 5 / 304 ، حوادث سنة 56 ه ] ؛ الإمامة والسياسة 1 : 151 [ 1 / 159 ] .
( 4 ) - وقد أشبعنا القول في البرهنة على لزوم هذه الملكات الفاضلة في الإمامة في غير هذا المورد .
( 5 ) - القصص : 69 .
( 6 ) - الأنعام : 124 .