الكتابَ ، فأمَرَ فيه ونَهى ، أمَرَ فيه بالصلاة والصيام ، فنامَ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن الصلاة ، فقال :
أنا أُنِيمُك وأنا أُوقِظُك ، فإذا قُمْتَ فَصَلِّ لِيَعْلَموا إذا أصابَهم ذلك كيف يَصنَعونَ ، ليس كما
يقولون : إذا نامَ هَلَكَ ، وكذلك الصيام أنا أُمْرِضُك وأنا أُصِحُّك ، فإذا شَفَيْتُك فَاقْضِه " .
ثمّ قالَ أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " وكذلك إذا نَظَرْتَ في جميع الأشياء لم تَجِدْ أحداً في ضِيق ،
ولم تَجِدْ أحداً إلاّ ولله عليه الحُجَّةُ ولله فيه المشيئةُ ، ولا أقولُ : إنّهم ما شاؤوا صَنَعوا " ، ثمّ
قالَ : " إنَّ الله يَهدي ويُضلُّ " وقال : " وما أُمِرُوا إلاّ بدون سَعَتِهم ، وكُلُّ شيء أُمِرَ الناسُ به
فَهُمْ يَسَعونَ له ، وكُلُّ شيء لا يَسَعونَ له فهو موضوعٌ عنهم ، ولكنّ الناسَ لا خيرَ فيهم " ثمّ
تلا ( عليه السلام ) : ( لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ )
فوضع عنهم ( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ
لِتَحْمِلَهُمْ ) قال : " فوضع عنهم لأنّهم لا يَجِدونَ " .
شرح
الرسول إنّما يتأخّر عن هذا التعريف . وما بعد ذلك في هذا الحديث من قوله : ( ثمّ
أرسل إليهم ) لبيان أن لا تضييق على العباد فيما أُمروا به ، ثمّ عمّم نفي التضييق
عليهم في جميع ما كُلّفوا به إتياناً وتركاً ، وفيه إشارة إلى نفي الجبر .
وقوله : ( ولله عليه الحجّة ) كالدليل على ذلك ؛ فإنّه لا حجّة على المجبور ؛ لكونه
معذوراً .
وقوله : ( ولله فيه المشيّة ) إشارة إلى نفي القَدَر ، وأنّ كلّ ما يكون من العبد مشيّة الله .
وقوله : ( ولا أقول : إنّهم ما شاؤوا صنعوا ) - سواء كان على وفق مشيّة الله أو لم
يكن - تصريح بنفي القَدَر .
وقوله : ( إنّ الله يهدي ويضلّ ) دليل على كون الكلّ بمشيّة الله .
وقوله : ( وما أُمروا إلاّ بدون سَعَتهم ) أي لم يُكلَّفوا بمنتهى سَعَتهم ، بل كُلّفوا بما لم
يصل إليه ، وفوقه مراتبُ من السَعَة . ( وكلّ شيء أُمر الناس به فهم يسعون له ، وكلّ
شيء لا يسعون له فهو موضوع عنهم ) غير مطلوب منهم ، فما لم يقع من المأمور به
ليس لأنّهم لا يسعون له ، بل لأنّهم لا خير فيهم .