2 . محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن ابن أبي عُمير ، عن هِشام بن سالم ،
عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : سمعته يقول : " كانَ اللهُ - عزَّ وجلَّ - ولا شيءَ
غيرُه ، ولم يَزَلْ عالماً بما يكونُ ، فعِلْمُه به قبلَ كونه كعِلْمِه به بعدَ كونِهِ " .
شرح
قوله : ( كان الله ولا شيء غيره ولم يزل عالماً بما يكون ) أي كان الله لذاته عالماً
بجميع الأشياء ولم يكن شيئاً موجوداً غيره ، فهو لذاته بذاته مناط انكشاف جميع
الأشياء ، لا الأشياءُ بوجودها ، فعلمه بكلّ شيء يوجَد قبل كونه ، كعلمه تعالى به بعد
كونه ؛ لعدم الاختلاف في مناط الانكشاف .
وتوضيح المقام : إنّ كلّ شيء معلول متأخّرٌ عن ذاته سبحانه ، وهو مبدؤه الذي
يَفيض الوجود عليه ، وهو سبحانه أجلُّ من أن يُحاط بدهر أو زمان ، وهذا الانقطاع
في الوجود إذا قيس إلى انقطاع الزمانيات بعضها عن بعض ، كان المبدأ متقدّماً على
المعلول كتقدّم المتقدّم بالزمان على المتأخّر بالزمان ، حتّى لو كانا زمانيَّيْن - سبحانه
وتعالى عن ذلك - كان المبدأ متقدّماً بالزمان على معلوله الصادر عنه ، وليس كالانقطاع
والانفصال بين ما هو أحقُّ بالوجود من آخَرَ ، وبين الآخَر ؛ فإنّ الانفصال هاهنا في
استحقاق الوجود ، ومرجعه إلى أحقّيّة مّا ، وهناك في نفس الوجود ، ومرجعه إلى
الإخراج من العدم إلى الوجود ، فالانفصال بين وجود المبدأ الموجِد المتعالي عن
نسبة التقدّر والامتداد ، وبين وجودِ موجَده الصادر عنه ، كان أحقُّ العبارات عنه عند
إرادة التعبير العبارةَ عن الانفصال الزماني بين المتقدّم والمتأخّر الزمانيَّيْن ؛ إذ لا
عبارة أقربَ إليه منها ، ويشار إلى تعاليه سبحانه من الدخول تحت الزمان .
وهذا هو الذي يعبَّر عنه عند التعبير عن حال المتأخّر " بالحدوث الذاتي " عند
الحكماء ؛ لعدم مداخلة الزمان هناك ، و " بالحدوث الزماني " عند محقّقي المتكلّمين ؛
لأحقّيّته بهذا التعبير ؛ رفعاً للاشتباه بالانفصال بأحقّيّة الوجود ، ولذا ترى الأحاديث
الواردة في إثبات الحدوث مكتفياً فيها بإثبات المبدأ الموجِد للأشياء وصدورها عنه .
ولمّا كان ذاته سبحانه مناطاً لانكشاف الأشياء عليه بذاته ، لا هي بوجوداتها ،