ثُمَّ أمَرَ آدَمَ ووُلدَهُ أن يَثنوا أعطافَهُم نَحوَهُ ، فَصارَ مَثابَةً لِمُنتَجَعِ أسفارِهِم ،
وغايَةً لِمُلقى رِحالِهِم ، تَهوي إلَيهِ ثِمارُ الأَفئِدَةِ مِن مَفاوِزِ قِفار مُتَّصِلَة ، وجَزائِرِ
بِحار مُنقَطِعَة ، ومَهاوي فِجاج عَميقَة ، حَتّى يَهُزّوا مَناكِبَهُم ذُلُلاً يُهَلِّلونَ للهِِ حَولَهُ ،
ويَرمُلونَ عَلى أقدامِهِم شُعثًا غُبرًا لَهُ . قَد نَبَذُوا القُنَعَ ( 1 ) والسَّرابيلَ وَراءَ ظُهورِهِم ،
وحَسَروا بِالشُّعورِ حَلقًا عَن رُؤوسِهِمُ ابتِلاءً عَظيمًا واختِبارًا كَبيرًا وامتِحانًا شَديدًا
وتَمحيصًا بَليغًا وقُنوتًا مُبينًا ، جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِرَحمَتِهِ ، ووُصلَةً ووَسيلَةً إلى جَنَّتِهِ ،
وعِلَّةً لِمَغفِرَتِهِ ، وابتِلاءً لِلخَلقِ بِرَحمَتِهِ .
ولَو كانَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وَضَعَ بَيتَهُ الحَرامَ ومَشاعِرَهُ العِظامَ بَينَ جَنّات وأنهار
وسَهل وقَرار ، جَمَّ الأَشجارِ ، دانِيَ الثِّمارِ ، مُلتَفَّ النَّباتِ ، مُتَّصِلَ القُرى ، مِن بُرَّة
سَمراءَ ، ورَوضَة خَضراءَ ، وأرياف مُحدِقَة ، وعِراص مُغدِقَة ، وزُروع ناضِرَة ،
وطُرُق عامِرَة ، وحدائِقَ كَثيرَة ، لَكانَ قَد صَغُرَ الجَزاءُ عَلى حَسَبِ ضَعفِ البَلاءِ .
ثُمَّ لَو كانَ الأَساسُ المَحمولُ عَلَيها ، والأَحجارُ المَرفوعُ بِها ، بَينَ زُمُرُّدَة
خَضراءَ ، وياقوتَة حَمراءَ ، ونور وضِياء ، لَخَفَّفَ ذلِكَ مُصارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدورِ ،
ولَوَضَعَ مُجاهَدَةَ إبليسَ عَنِ القُلوبِ ، ولَنَفى مُعتَلَجَ الرَّيبِ مِنَ النّاسِ . ولكِنَّ اللهَ
عَزَّ وجَلَّ يَختَبِرُ عَبيدَهُ بِأَنواعِ الشَّدائِدِ ، ويَتَعَبَّدُهُم بِأَلوانِ المَجاهِدِ ويَبتَليهِم
بِضُروبِ المَكارِهِ ؛ إخراجًا لِلتَّكَبُّرِ مِن قُلوبِهِم ، وإسكانًا لِلتَّذَلُّلِ في أنفُسِهِم ،
ولِيَجعَلَ ذلِكَ أبوابًا [ فُتُحًا ] إلى فَضلِهِ وأسبابًا ذُلُلاً لِعَفوِهِ وفِتنَتِهِ ( 2 ) .
283 - عيسَى بنُ يونُس : كانَ ابنُ أبِي العَوجاءِ مِن تَلامِذَةِ الحَسَنِ البَصرِيِّ ، فَانحَرَفَ
عَنِ التَّوحيدِ . . . فَأَتى أبا عَبدِ اللهِ ( عليه السلام ) . . . فَقالَ : إلى كَم تَدوسونَ هذَا البَيدَرَ
هامش
( 1 ) القُنع - بالضمّ - : جمعُ القناع ، وهو المقنعة والسلاح ( مرآة العقول : 17 / 29 ) .
( 2 ) الكافي : 4 / 199 / 2 ، نهج البلاغة : الخطبة 192 مع تفاوت يسير .