تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحج والعمرة في الكتاب والسنة — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
ثُمَّ أمَرَ آدَمَ ووُلدَهُ أن يَثنوا أعطافَهُم نَحوَهُ ، فَصارَ مَثابَةً لِمُنتَجَعِ أسفارِهِم ، وغايَةً لِمُلقى رِحالِهِم ، تَهوي إلَيهِ ثِمارُ الأَفئِدَةِ مِن مَفاوِزِ قِفار مُتَّصِلَة ، وجَزائِرِ بِحار مُنقَطِعَة ، ومَهاوي فِجاج عَميقَة ، حَتّى يَهُزّوا مَناكِبَهُم ذُلُلاً يُهَلِّلونَ للهِِ حَولَهُ ، ويَرمُلونَ عَلى أقدامِهِم شُعثًا غُبرًا لَهُ . قَد نَبَذُوا القُنَعَ ( 1 ) والسَّرابيلَ وَراءَ ظُهورِهِم ، وحَسَروا بِالشُّعورِ حَلقًا عَن رُؤوسِهِمُ ابتِلاءً عَظيمًا واختِبارًا كَبيرًا وامتِحانًا شَديدًا وتَمحيصًا بَليغًا وقُنوتًا مُبينًا ، جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِرَحمَتِهِ ، ووُصلَةً ووَسيلَةً إلى جَنَّتِهِ ، وعِلَّةً لِمَغفِرَتِهِ ، وابتِلاءً لِلخَلقِ بِرَحمَتِهِ . ولَو كانَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وَضَعَ بَيتَهُ الحَرامَ ومَشاعِرَهُ العِظامَ بَينَ جَنّات وأنهار وسَهل وقَرار ، جَمَّ الأَشجارِ ، دانِيَ الثِّمارِ ، مُلتَفَّ النَّباتِ ، مُتَّصِلَ القُرى ، مِن بُرَّة سَمراءَ ، ورَوضَة خَضراءَ ، وأرياف مُحدِقَة ، وعِراص مُغدِقَة ، وزُروع ناضِرَة ، وطُرُق عامِرَة ، وحدائِقَ كَثيرَة ، لَكانَ قَد صَغُرَ الجَزاءُ عَلى حَسَبِ ضَعفِ البَلاءِ . ثُمَّ لَو كانَ الأَساسُ المَحمولُ عَلَيها ، والأَحجارُ المَرفوعُ بِها ، بَينَ زُمُرُّدَة خَضراءَ ، وياقوتَة حَمراءَ ، ونور وضِياء ، لَخَفَّفَ ذلِكَ مُصارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدورِ ، ولَوَضَعَ مُجاهَدَةَ إبليسَ عَنِ القُلوبِ ، ولَنَفى مُعتَلَجَ الرَّيبِ مِنَ النّاسِ . ولكِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَختَبِرُ عَبيدَهُ بِأَنواعِ الشَّدائِدِ ، ويَتَعَبَّدُهُم بِأَلوانِ المَجاهِدِ ويَبتَليهِم بِضُروبِ المَكارِهِ ؛ إخراجًا لِلتَّكَبُّرِ مِن قُلوبِهِم ، وإسكانًا لِلتَّذَلُّلِ في أنفُسِهِم ، ولِيَجعَلَ ذلِكَ أبوابًا [ فُتُحًا ] إلى فَضلِهِ وأسبابًا ذُلُلاً لِعَفوِهِ وفِتنَتِهِ ( 2 ) . 283 - عيسَى بنُ يونُس : كانَ ابنُ أبِي العَوجاءِ مِن تَلامِذَةِ الحَسَنِ البَصرِيِّ ، فَانحَرَفَ عَنِ التَّوحيدِ . . . فَأَتى أبا عَبدِ اللهِ ( عليه السلام ) . . . فَقالَ : إلى كَم تَدوسونَ هذَا البَيدَرَ
هامش
( 1 ) القُنع - بالضمّ - : جمعُ القناع ، وهو المقنعة والسلاح ( مرآة العقول : 17 / 29 ) . ( 2 ) الكافي : 4 / 199 / 2 ، نهج البلاغة : الخطبة 192 مع تفاوت يسير .
الحج والعمرة في الكتاب والسنة — صفحة 134 | محمد الريشهري