وأقول ثانياً : قد علمت أنّا معاشر الأخباريّين المتمسّكين بالتثبّت أو اليقين في
أحكامه تعالى لا نعتمد إلاّ على موجباته .
ومن المعلوم عند أُولي الألباب : أنّ القرائن المفيدة للقطع وافرة وأنّها كما تكون
عند المعاشرة تكون بدونها ، فإنّا إذا راجعنا إلى وجداننا وجدنا القطع بأنّ كثيراً من
رواة أحاديثنا لم يفتروا ولم يكونوا كثيري السهو فيما نقلوه ، بل نقطع بأنّ أواسط
الشيعة لا يرضون بالافتراء في باب الحديث ، فكيف نجوّز أن يقع ممّن هو أعلى منهم ؟
ثمّ إذا فتّشنا علمنا أنّه ما حصل لنا ذلك القطع إلاّ بالقرائن الحالية أو المقالية ،
وإذا كان حالنا بالنسبة إلى الرواة كذلك فالمتقدّمون من أصحابنا - كالكشّي
والنجاشي ورئيس الطائفة وابن طاوس وغيرهم - أولى بذلك منّا لقرب عهدهم .
وأقول ثالثاً : سياق كلام النجاشي وغيره في شأن جمع من الرواة " ثقة ، ثقة "
بالتكرار أو بدونه يفيد أنّه قطع بذلك بالقرائن كما قطعنا نحن ، لا أنّه اعتمد فيه على
مجرّد تزكية واحد .
وأقول رابعاً : قوله : " والّذي يستفاد من كلام الكشّي والنجاشي والشيخ وابن
طاوس وغيرهم اعتمادهم في التعديل والجرح على النقل من الواحد " افتراء
شرح
أنّ بالعزيز أن يصحّ خبر إذا تعدّدت نقلته أو يسلم من الزيادة والنقصان ، هذا في بلد واحد فكيف
ما كان في زمان متطاول وطبقات متعدّدة ووجود المتصدّي للكذب والتحريف من المنافقين
وأرباب المذاهب الفاسدة في زمن الرسول والأئمّة ( عليهم السلام ) فأيّ عاقل بعد ذلك يجزم ويقطع بمثل ما
يدعيه المصنّف ؟
غاية الأمر إنّا رأينا الفضلاء والعلماء ممّن قبلنا من زمن السفراء ومن قبلَهم اكتفوا في العمل
بالأخبار بمثل ما اكتفى به المتأخّرون ، فعلمنا أنّه الحقّ والواجب الاتّباع ، ولم يتحقّق الخروج
عن ذلك ممّن تقدّم في بعض الأحاديث الغير المتواترة إلاّ من السيّد المرتضى وابن إدريس أو من
كان يمكنه تحصيل العلم بصحّة كلّ الأحاديث ، ومع ذلك لم يذهب منهم أحد إلى ما ذهب إليه
المصنّف من الجزم بصحّة كلّ الأخبار والقطع بوجوب العمل بها وعدم صحّة تأويل ما يخالف
المذهب منها ، فإنّ قوله خارج عن جميع أقوال من يعرف من أهل العلم - الخاصّة والعامّة -
ويكفي في ذلك فساده من غير احتياج إلى زيادة عليه .