بضاعة عظيمة في العلوم الدقيقة ولم يكن متفطّناً بما ورد في الأُصولين من أصحاب العصمة
يوقع نفسه في الهلكة وكلّ ميسَّر لما خلق له ، وبالله التوفيق وبيده أزمّة التحقيق .
فأقول أوّلا : كان قصد المستدلّ أنّ التمسّك بخبر الواحد لابدّ له من الاستدلال
على جميع مقدّماته ، ومن المعلوم : أنّ الّذي ثبت جواز التمسّك به هو ما يفيد العلم
أو ما يقوم مقامه في الشريعة ، فقصده من مفيد العلم مفيد القطع حقيقة أو حكماً ،
ومن المعلوم : أنّ شهادة العدلين في الشريعة جعلت مكان القطع في بعض الصور
بخلاف شهادة الواحد ، وحينئذ يندفع البحث الأوّل دون الثاني * .
شرح
* أوّلا : إنّ ما ذكره في معرض المدح لنفسه ومُعرّضاً به للاستخفاف بغيره عين الجهل وقلّة
الإنصاف ! وأين رتبته في العلوم من رتبة من عرّض به واستخفّ ، بل بعده عنهم في الهوان كما
قال عن بعد كلامهم عن الحقّ ( 1 ) وهل عاقل يمدح نفسه بهذه المبالغة ولو كانت حقّاً ؟ والله
سبحانه يقول : ( ولا تزكّوا أنفسكم ) وما رأينا هذه البضاعة العظيمة الّتي ادّعاها أثّرت على
صاحبها إلاّ الجهل والحماقة وتعريض نفسه للكلام عليه ، هذا مع خطر الآخرة .
وأمّا ثانياً : فإنّه بعد ما تقرّر أنّ المراد بالعلم بالعدالة في قبول الرواية ليس العلم القطعيّ بل
الشرعيّ ، وعلى كلّ حال الوجه الّذي يعتمد عليه الخصم في قبول رواية العدل وحده يلزمه أن
يعتمد عليه في قبول قول المزكّي وحده ، فالتفرقة بينهما غير معقولة . وليس البحث في هذه
المسألة مع المصنّف ، لأنّه لا يجوّز العمل بخبر الواحد المفيد للظنّ حتّى يلزمه ما ألزم الخصم به
الشيخ بهاء الدين محمّد ( رحمه الله ) في احتجاجه ، ولكنّ المصنّف أدخل نفسه في ذلك فضولا وخبط في
البحث خبط عشواء ، وإلاّ فأين الجواب عن كلام الشيخ بهاء الدين وما عدّده من النظائر للتزكية
من أنّها خبر وليست شهادة ، وأنّها لو كانت شهادة فما المانع من قبولها والتعويل عليها بانفرادها ؟
كما ذكر لها من النظير حتّى شهادة المرأة وحدها . والمصنّف لا يرى له وجهاً عند ضيقه بالحجّة
إلاّ دعوى القرائن وتواتر الأخبار وأمثال ذلك من الهذيانات الباردة ! وأسهل شيء عليه دعوى
تواتر الأخبار فيما يريده ويدّعيه . وقد أطال الكلام في هذا المقام بغير طائل في أنّ رواة حديثنا
لم يفتروا ولم يكذبوا ولم يسهوا ، ويعلم ذلك بالقرائن المفيدة للقطع بنفي جميع الاحتمالات
الموجبة للخلل في نقل الحديث . ونحن نعلم بالوجدان في هذا الزمان وكذلك جميع الأزمان
هامش
( 1 ) كذا ، لم نفهم المقصود من العبارة ، ولعلّها مصحّفة .