ثمّ أقول : هذا المقام ممّا زلّت فيه أقدام أقوام من فحول الأعلام ، فحريّ بنا أن
نحقّق المقام ، فنوضحه بتوفيق الملك العلاّم ودلالة أهل الذكر ( عليهم السلام ) .
فنقول : التمسّك بالبراءة الأصلية إنّما يتمّ عند الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح
الذاتيّين ، وكذلك إنّما يتمّ عند من يقول بهما ولا يقول بالوجوب والحرمة الذاتيّين ،
وهو المستفاد من كلامهم ( عليهم السلام ) وهو الحقّ عندي . ثمّ على هذين المذهبين إنّما يتمّ
قبل إكمال الدين لا بعده ، إلاّ على مذهب من جوّز من العامّة خلوّ واقعة عن حكم
وارد من الله تعالى * .
شرح
لم يعملوا بمقتضاه ولم يعتقدوه . والسيّد المرتضى - قدّس الله روحه - لا شكّ أنّه أعرف من
المصنّف بالخبر المتواتر من غيره ، وقد ترك العمل بكثير من الأخبار الّتي يدّعي المصنّف ثبوتها
والقطع بصحّتها ويدّعي تواتر الأخبار بثبوت ذلك .
وكمال الدين لا يتوقّف على ما يدّعيه ، فإنّه قد كمل ولله الحمد من غير اعتقاد أحد ما
اعتقده . وقد قدّمنا أنّ في ما نقله الشيخ عن الصادق ( عليه السلام ) سابقاً دلالة على إمكان عدم وجدان
نصّ من قبلهم ( عليهم السلام ) في بعض الأحكام . والتوقّف في المسائل الّتي لا يجد المجتهد عليها دليلا
علميّاً ولا ظنّياً كثير في أبواب الأُصول والفروع ، فلم يحصل خلاف للأئمّة ( عليهم السلام ) من المجتهدين
عند أمرهم بالتوقّف . ولو كان إكمال الدين موقوفاً على العلم لجميع المكلّفين بذلك الحكم الّذي
كلّفوه والقطع به لوجب ظهوره ظهوراً لا يحصل معه اختلاف ولا اشتباه ، ولم يتّفق ذلك في سائر
الأُمم ، وما زال الاختلاف والاشتباه واقعاً في كلّ أُمّة .
* لا شكّ أنّ التمسّك بالبراءة الأصليّة عند من يقول بالحسن والقبح أقرب ممّن ينفي ذلك ،
لأنّ احتمال تكليف الله - سبحانه وتعالى - لمكلّف بحكم ولا يجعل له طريقاً إلى علمه ممّا
يقضي العقل بقبحه وامتناعه إذا أراد منه فعله ، وكمال الدين ليس موقوفاً على إبطال البراءة
الأصليّة ، لأنّ حكم الله بثبوتها ظاهر وقد بيّنّاه ، بل هو من أصله غير محتاج إلى بيان بدليل العقل
فضلا عن النقل لمن له بصيرة .
وليس المقام بمحرز لهذا التحمّس العظيم الّذي ثبتت فيه أقدامه مع زلل أقدام فحول
العلماء ، وما أشكّ أنّ مثل هذه الأحوال تصدر عن كامل العقل ( 1 ) .
هامش
( 1 ) كذا ، والعبارة مشوّشة .