واعلم أنّ جمعاً من أصحابنا أطلقوا لفظ " الإجماع " على معنيين آخرين :
الأوّل : اتّفاق جمع من قدمائنا الأخباريّين على الإفتاء برواية وترك الإفتاء
برواية واردة بخلافها . والإجماع بهذا المعنى معتبر عندي ، لأنّه قرينة على ورود ما
عملوا به من باب بيان الحقّ لا من باب التقية . وقد وقع التصريح بهذا المعنى وبكونه
معتبراً في مقبولة عمر بن حنظلة الآتية المشتملة على فوائد كثيرة ، لكنّ الاعتماد
حينئذ على الخبر المحفوف بقبولهم لا على اتّفاق ظنونهم كما في اصطلاح العامّة .
الثاني : افتاء جمع من الأخباريّين - كالصدوقين ومحمّد بن يعقوب الكليني ، بل
الشيخ الطوسي أيضاً فإنّه منهم عند التحقيق وإن زعم العلاّمة أنّه ليس منهم - بحكم
لم يظهر فيه نصّ عندنا ولا خلاف يعادله . وهذا أيضاً معتبر عندي ، لأنّ فيه دلالة
قطعية عادية على وصول نصّ إليهم يقطع بذلك اللبيب المطّلع على أحوالهم * .
شرح
القائل . وعلى كلّ تقدير إذا علم قول المعصوم بأيّ وجه حصل كيف يساوي القول المنسوب إليه
ولم يتحقّق ذلك فيه ؟
نهاية الأمر يحصل الظنّ لو صحّ الخبر بالاصطلاح المعهود ، فكيف لا يترجّح هنا العلم
على الظنّ حتّى يجعل المصنّف الترجيح به غير معقول ؟ والأصحاب لم يرجّحوا الإجماع بهذا المعنى -
وهو إذا تحقّق قول المعصوم - على الخبر إلاّ فيما يفيد الظنّ . وأمّا الخبر المتواتر وما يفيد العلم
فلم يجوّزوا حصول المعارضة فيه ولا وقوعه .
فأوّل خطأ المصنّف في تعريف الإجماع بما ذكره ، فإنّه غير ما ذكرناه في تعريفه المشهور
حتّى أرجعه إلى الخبر المجمل . والثاني جعله ترجيح المعلوم على المظنون غير معقول . والثالث
عدم تسليمه الفرق بين نسبة الخبر إليه ( عليه السلام ) في ضمن الإجماع الّذي يفيد القطع بصحّة النسبة
وبين ما لا يفيد ذلك من الخبر المظنون صحّته .
وربما يعتذر معتذر عن المصنّف بأنّ الخبر الّذي يرجّح الأصحاب الإجماع عليه هو الخبر
المفيد للعلم . والجواب أنّ الكلام في ترجيح الإجماع على مطلق الخبر ؛ على أنّ الّذي يفيد العلم
منه كالمتواتر قد صرّحوا في كتب الأُصول بالامتناع وقوع التناقض فيه ، وما ذاك إلاّ لامتناع
حصول العلم بكلّ من المتنافيين ، فانحصر الأمر في الخبر الّذي لا يفيد العلم إذا عارض الإجماع القطعيّ .
* إنّ من عدّده من المشائخ لا يفيد قولهم إذا اتّفقوا فيه الشهرة وَحْدَهم حتّى يطلق