إذا عرفت ما مهّدنا من الدقيقة الشريفة ، فنقول : إن تمسّكنا بكلامهم فقد عصمنا
عن الخطأ وإن تمسّكنا بغيره لم نعصم عنه ، ومن المعلوم أنّ العصمة عن الخطأ أمر
مطلوب مرغوب شرعاً وعقلا .
ألا ترى أنّ الإماميّة استدلّت على وجوب عصمة الإمام بأنّه لولا العصمة للزم
أمره تعالى عباده باتّباع الخطأ ، وذلك محال لأنّه قبيح عقلا .
وأنت إذا تأمّلت في هذا الدليل علمت أنّ مقتضاه : أنّه لا يجوز الاعتماد على
الدليل الظنّي في أحكامه تعالى أصلا سواء كان ظنّي الدلالة أو ظنّي المتن أو ظنّيهما .
والعجب كلّ العجب ! أنّ جمعاً من الأفاضل القائلين بصحّة هذا الدليل رأيتهم
قائلين بجواز العمل بالدليل الظنّي ونبّهتهم على تنافي لازميها فلم يقبلوا ، فقلت في
نفسي :
إذا لم تكن للمرء عين صحيحة * فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر *
شرح
* إنّا قد بيّنّا أنّ المحذور الّذي اعتبرت العصمة لأجله على دعواه - وهو احتمال إخباره
بغير الحقّ من وهم أو نسيان أو تعمّد - يأتي هذا المحذور في كلّ مخبر ، فيلزم أن لا يفيد خبره
العلم إلاّ بعد ثبوت عصمته ، فلا يجوز قبوله مع الاحتمال وإن كان الاحتمال ضعيفاً وبيّنّا أنّ
الأوصاف والشروط الّتي تعتبر في النبيّ والإمام من الكمالات والنزاهة عن النقائص لا تعتبر في
غيرهم ، وأنّ الراوي يكفينا في تصديقه العلم بعدالته ، كما دلّ عليه القرآن وثبوت الحقّ بشهادة
العدلين والاكتفاء بخبر العدل الواحد في مواضع ، ومتى يحصل القطع والعلم من الخبر في كلّ
حكم ؟ والأُصوليّون صرّحوا بالفرق بين القرآن والخبر بأنّ القرآن قطعي المتن ظنّي الدلالة
والخبر عكسه ، ودليل السمع محصور فيهما فكيف يتحقّق القطع والعلم ؟ مع أنّه لابدّ فيهما من
الرجوع إلى الظنّ . ولو اعتبرنا في كلّ حكم ومسألة العلم والقطع من الأخبار بحكمها لانسدّ باب
العمل في كثير من الأحكام وتعطّلت الشريعة السمحة الّتي جاء بها الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
ودعوى تيسّر ذلك في زماننا وزمن من تقدّمنا غير زمن الأئمّة ( عليهم السلام ) لمن كان يمكنه علم
أمرهم ( عليهم السلام ) دعوى واضحة الفساد ناشئة عن تمام الجهالة . والمصنّف يتعجّب من مخالفة الفضلاء
له في خطأ منه واضح ، والتعجّب من خطائه أحقّ ، وما أحسن ما يقال هنا :