صاروا من رستاق إلى رستاق حتى انحط الجراح وأصحابه على رستاق يقال له
شكى ( 1 ) . قال : وأدركهم الشتاء فأقام الجراح وأصحابه هنالك ، ثم كتب إلى
يزيد بن عبد الملك يخبره بما فتح الله على يده من الكفار ويسأله المدد . قال : فلما
ورد كتاب الجراح على يزيد بن عبد الملك عزم أن يمده بخيل ورجال يقوى بهم على
الخزر .
قال : وأرسل أيضا أهل العراق إلى يزيد بن عبد الملك يشكو عاملهم ، فعزله وولى
مكانه عمر بن يزيد بن هبيرة ( 2 ) الفزاري ، قال : فقدم عمر بن يزيد عاملا على
العراقين جميعا : البصرة والكوفة ، ودان له الناس بالسمع والطاعة ، والجراح بن
عبد الله مقيم بأرض شكى يتوقع المدد بأن يأتيه من الشام ، حتى إذا انقضى عنه
الشتاء إذا الخبر قد ورد عليه بأن يزيد بن عبد الملك قد مات ، وكان ملك يزيد بن
عبد الملك أربع سنين وشهرا واحدا ( 3 ) ، وتوفي ليلة الجمعة لأربع ليال بقين من
شعبان سنة خمس ( 4 ) ومائة وهو يومئذ ابن أربعين سنة ( 5 ) - والله أعلم - . وصار الامر
هامش
( 1 ) في ابن الأثير : ( رستاق ملى ) وفي معجم البلدان : شكى بفتح أوله وتشديد ثانيه . . . ولاية بأرمينية .
( 2 ) في الطبري ، عمر بن هبيرة .
( 3 ) انظر في مدة ولايته الاخبار الطوال ص 334 تاريخ اليعقوبي 2 / 314 الطبري 8 / 179 .
( 4 ) عن الطبري 8 / 179 وانظر تاريخ اليعقوبي 2 / 314 والإمامة والسياسة 2 / 142 .
( 5 ) في مقدار عمره خلاف انظر مروج الذهب 3 / 239 الاخبار الطوال ص 334 الطبري 8 / 179 .
قيل في موته أنه بقي بعد حبابة جاريته خمسة عشر يوما ومات ودفن إلى جانبها . وكان يزيد بن
عبد الملك قد استسلم إلى غرائزه وشهواته ورغباته . وقد اتسمت ولايته بعناوين أبرزها :
- تشاغله عن مصالح الأمة وانغماسه باللهو والغناء والشراب والعبث وترك الدولة بكل مؤسساتها إلى
الولاة والجواري بحيث أن حبابة جاريته كانت تعزل وتولي دون الرجوع إليه .
- عمد إلى كل الاجراءات والتنظيمات التي وضعها عمر بن عبد العزيز والتي لا توافق هواه فردها .
ومثال ذلك أنه كتب إلى عمال عمر بن عبد العزيز : أما بعد ، فإن عمر كان مغرورا ، غررتموه أنتم
وأصحابكم ، وقد رأيت كتبكم إليه في انكسار الخراج والضريبة ، فإذا أتاكم كتابي هذا فدعوا ما
كنتم تعرفون من عهده ، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى ، أخصبوا أم أجدبوا ، أحبوا أم كرهوا ،
حيوا أم ماتوا والسلام .
- بعث روح العصبية بين اليمنية والمضرية ، مما جعلها تنخر في عظام الخلافة الأموية إلى أن قضت
عليها . فانحاز إلى الجناح المضري ( أحد جناحي النظام الأموي ) وهدد مصالح الجناح اليمني .
- لسوء سياسته عاد الخوارج إلى التحرك .
- تعيين ولاة في الولايات اعتمدوا في سياستهم الإساءة إلى الموالي مما أدى إلى انتقاض الامن ،
وخروج الأطراف على الدولة ، والكثير ارتدوا عن الاسلام .
- إهماله الجهاد وترك الغزو ومناضلة الأعداء .