وعباده الصالحين وأخيه العباس أنهما قد برئا إلى الله منك فيما اقترفت من القتل
والامر العظيم ، وستعلم عن قريب أبا مجرم إذا أحاطت بك العساكر وأخذتك
الصفائح أي رجل تكون ! وأقسم بالله العلي العظيم الذي لا إله غيره إن عبرت البحر
لطلبتك ولو بلغت إلى مطلع الشمس ومغربها ، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم
الوكيل .
قال : فلما فرغ وورد الكتاب على أبي مسلم وقرأه ضاق به ذرعا ، ثم إنه ذل
وخضع وخشي أن تأتيه الجيوش من العراق ولا يقوم لها ، فكتب إلى المنصور
يستعطفه ويسأله أن يعطيه الأمان ، ثم بعث بكتابه مع أبي إسحاق صاحب حرسه ( 1 ) ،
فأجابه المنصور إلى ذلك .
ذكر قدوم أبي مسلم من خراسان على المنصور
ومقتله بين يديه
قال : فخرج أبو مسلم من خراسان ومعه خلق عظيم حتى صار إلى العراق .
قال : فكان لا يمر ولا يقدم على موضع إلا استقبلوه بالبر والاحسان والاكرام حتى إذا
صار إلى باب المنصور خرج إليه أبو الخصيب الحاجب فقال : إن أمير المؤمنين
يأمرك أن تنصرف إلى المنزل الذي قد استعد لك ! قال : فانصرف إليه ، وقد أعد له
جميع ما يحتاج إليه من فرش وغير ذلك من طعام وشراب ، وجعلت الالطاف تأتيه من
عند المنصور في كل وقت ، فأقام كذلك ثلاثة أيام ، فلما كان في اليوم الرابع أرسل
إليه المنصور فدعاه ، قال : فركب أبو مسلم وصار إلى الباب فدخل الحاجب فأعلم
المنصور ، فقال : ذره ولا تعجل ، والمنصور جالس في مجلسه وحده ليس عنده
أحد إلا من لا يحتشمه غير أنه يفكر في أمر أبي مسلم وما يريد أن يصنع وهو يقول
شعرا ، قال : ثم أذن لأبي مسلم بالدخول ، فدخل وسلم ، فلم يرد عليه السلام ثم
أومأ إليه أن اجلس ! فجلس أبو مسلم على وسادة وعليه يومئذ قباء ديباج أسود ، فأقبل
هامش
( 1 ) يفهم من عبارة الطبري وابن الأثير : أن أبا جعفر استمال أبا إسحاق إلى جانبه ، وأنه وعده بولاية
خراسان إن هو أقنع أبا مسلم بالمجيء إليه ، وبالفعل فقد قال أبو إسحاق لأبي مسلم لما عاد من رحلته
إلى أبي جعفر : ما أنكرت شيئا ، رأيتهم معظمين لحقك ، يرون لك ما يرون لأنفسهم ، وأشار عليه
أن يرجع إلى أمير المؤمنين ، ويعتذر إليه مما كان منه .