كأنه اغتم لذلك وجعل يقول لمن حضره من أصحابه : إن معاوية بن أبي سفيان إنما
كان له ولد واحد فملك الخلافة هو وابنه بضعا وعشرين سنة ، وسليمان بن
عبد الملك له سبع سنين ، فمتى يخرج هذا الملك منهم ! لا يخرج إلى يوم القيامة !
ولنبايعن الأطفال من ولد سليمان . قال : وظن يزيد بن المهلب أنه سيملك الخلافة
من بعد سليمان ابنه أيوب ، قال : وإنه لكذلك إذ بلغه أن أيوب بن سليمان قد مات ،
فعجب لذلك ثم نادى في أصحابه بالرحيل إلى نيسابور ، فسار بين يديه راجزا له وهو
يقول :
إن كان أيوب مضى لشأنه * فإن داود لفي ( 1 ) مكانه
يقيم ما قد زال من سلطانه * كذا يكون الملك في أوانه
قال : ثم أقبل يزيد بن المهلب إلى نيسابور فنزلها ، وكتب إلى عماله فقدموا
عليه من أطراف خراسان ، وقدم عليه أخوه مدرك بن المهلب من بلخ ومعه هدايا
كثيرة ، وقدم ابنه مخلد بن يزيد من طخارستان ومعه مائة دابة من دواب طخارستان .
قال : واتصل به الخبر أن الامر قد صار إلى عمر بن عبد العزيز ، فجلس بنيسابور
متمسكا بما في يديه .
قال : ومسلمة بن عبد الملك يومئذ مقيم بالنقفورية من بلاد الروم ، فلم يشعر
إلا وكتاب عمر بن عبد العزيز قد ورد عليه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله
عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة بن عبد الملك ، أما بعد ! فأعظم الله لك الاجر في
أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك ، وبارك له فيما صار إليه ! فإن أهل الشام قد
بايعوني طائعين غير مكرهين على أني أعدل في الرعية وأقسم الفيء بالسوية ، وأنا
أسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى ، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاسمع وأطع توفق
وترشد ، وعجل بالقدوم علي ، وإياك والخلاف والشقاق فتفسد ما أصلحت وتنقض
ما أبرمت ! وادخل في الطاعة وكن مع الجماعة ، واقدم إلي بجميع ما معك من
المسلمين - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته - ( 2 ) .
قال : فلما ورد كتاب عمر بن عبد العزيز على مسلمة بن عبد الملك دعا بوجوه
هامش
( 1 ) عن الطبري 6 / 545 وبالأصل : كفى .
( 2 ) انظر الطبري 6 / 553 وابن الأثير 3 / 256 والبداية والنهاية 9 / 174 .