فصل
في ذكر شيء من شجاعته ( 1 )
أمّا شجاعته فكانت ظاهرةً على أعطافه ، مشهورةً ( 2 ) معروفةً من نعوته وأوصافه ،
وأول ذلك : أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) لمّا بايع طائفةً من الأنصار بيعة العقبة الأُولى ( 3 ) وكانوا
هامش
( 1 ) إنّ أرفع درجات الإيثار هي إيثاره ( عليه السلام ) بنفسه حفاظاً على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فإنّه آثر بها في موارد كثيرة
لسنا بصدد بيانها ، وما أحسن المرء أن يجود بنفسه من أجل غيره ، ويؤثر الآخرين على نفسه كما وصفه
سبحانه وتعالى ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) ( الحشر : 9 ) وغيرها من الآيات كما
يأتي بحثها إن شاء الله تعالى .
( 2 ) في ( ج ) : معلومة .
( 3 ) البيعة لغةً : صفق اليد على اليد ، وهي علامة على وجوب البيع ، وأصبحت في الإسلام علامة معاهدة
المبايع المبايع له أن يبذل له الطاعة في ما تقرّر بينهما . ويقال : بايعه عليه مبايعة : عاهده عليه . وقد ورد
في القرآن الكريم قوله ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى
نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) ( الفتح : 10 ) .
إنّ أول بيعة في الاسلام هي بيعة العقبة الأُولى ، أخبر عنها عبادة بن الصامت وقال : وافى موسم
الحجّ من الأنصار اثنا عشر رجلا ممّن أسلم منهم في المدينة وقال عبادة : بايعنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيعة
النساء وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب ، على أن لاَ نشرك بالله شيئاً ، ولا نسرق ، ولا نزنى ، ولا نقتل
أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف ، فإن وفيتم فلكم الجنّة ،
وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحدّه في الدنيا فهو كفّارة له ، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم
إلى الله عزّوجلّ ، إن شاء عذّب ، وإن شاء غفر . ( انظر سيرة ابن هشام : 2 / 40 - 42 ) .
أمّا ابن الأثير في : 2 / 67 ذكر في الهامش تعليقاً على سيرة ابن هشام بأنهم سبعة وسابعهم عقبة بن
عامر . ومنهم أسعد بن زرارة بن عدس أبو أُمامة ، وعوف بن الحرث بن رفاعة وهو ابن عفراء ، كلاهما
من بني النجّار ، ورافع بن مالك بن عجلان ، وعامر بن عبد حارثة بن ثعلبة بن غنم ، وكلاهما من بني
زريق ، وقطبه بن عامر بن حديدة بن سواد من بني سلمة ، وعقبة بن عامر بن نائي من بني غنم ، وجابر
ابن عبد الله بن رياب من بني عبيدة .
أمّا البيعة الثانية الكبرى بالعقبة . فسيأتي بيانها بعد قليل إن شاء الله .
أمّا البيعة الثالثة وهي الّتي تسمى ببيعة الرضوان ، أو بيعة الشجرة . فسيأتي بيانها أيضاً .