قال المحقّق الأردبيلي ( رحمه الله ) : " كأنّه تخيير للنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ولمن يقوم مقامه من الإمام
والقاضي ، إن تحاكم إليهم الكفّار ، بين أن يحكموا بينهم بالعدل ، الذي هو الحقّ في نفس
الأمر وهو مقتضى الإسلام ، وبين أن يعرضوا عنهم بأن يحيلوهم إلى حكّامهم يحكمون
بينهم بمقتضى شرعهم إن كان في شرعهم فيه حكم كما ذكر أصحابنا . " ( 1 )
أقول : ظاهر الآيات جواز إرجاع الكفّار إلى قضاتهم إذا كانوا من أهل الكتاب ، حتّى
يحكموا بينهم بما أنزل الله بشرط أن لا يكون أحد المتخاصمين مسلماً والآخر كافراً ، وإذا
لم يحكموا بما أنزل الله فلا تنفذ أحكامهم وعلى هذا مدار النظر في النصب أيضاً .
والظاهر من سياق الآيات نزولها دفعة واحدة فالنسخ بعيد . والتخيير غير منسوخ في
شرعنا كما جاء في الأخبار ، منها :
1 - محمّد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين بن
أبي الخطّاب ، عن سويد بن سعيد القلاّ ، عن أيّوب ، عن أبي بصير عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال :
" إنّ الحاكم إذا أتاه أهل التوراة وأهل الإنجيل يتحاكمون إليه ، كان ذلك إليه ، إن شاء حكم
بينهم وإن شاء تركهم . " ( 2 )
السند مجهول بسويد بن سعيد ولكن قال المجلسيّان : الحديث صحيح ؛ لأنّ سويد بن
سعيد هو سويد بن مسلم ( 3 ) ، ولا يبعد اتّحادهما . وأيّوب هو ابن حرّ وهو ثقة .
2 - وبإسناده عن ابن قولويه ، عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن
محمّد بن الحسين عن يزيد بن إسحاق عن هارون بن حمزة ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال :
" قلت : رجلان من أهل الكتاب نصرانيّان أو يهوديّان ، كان بينهما خصومة ، فقضى بينهما
حاكم من حكّامهما بجور فأبى الّذي قضي عليه أن يقبل وسأل أن يردّ إلى حكم
هامش
1 - زبدة البيان في أحكام القرآن ، ص 684 - وراجع أيضاً : مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام ، ج 4 ، ص 238 .
2 - وسائل الشيعة ، الباب 27 من أبواب كيفيّة الحكم ، ح 1 ، ج 27 ، صص 296 و 297 .
3 - ملاذ الأخيار ، ج 10 ، ص 207 - روضة المتّقين ، ج 6 ، ص 12 .