بقي هنا شيء وهو أنّ المتيقّن من القضاء هو إنشاء الحكم لبيان تكليف المتخاصمين
والمتخالفين في المصاديق الشخصيّة إذا اختلفوا فيها ، وكانت الأحكام الشرعيّة الكلّيّة
معلومة عندهما . وأمّا إذا كان الاختلاف في المصداق فمنشأه الاختلاف في الأحكام
الشرعيّة الكلّيّة ؛ كالمثال الذي ذكرناه ، وكالاختلاف في تنجيس المتنجّس ، فهل تكون
تلك الموارد أيضاً مورداً للحكم والقضاء حتّى يمكن رفع الاختلاف به أم لا ؟ المستفاد
من كلمات القوم أنّها من موارد القضاء وما رأيت أحداً ناقش فيه ، ويمكن أن يكون السند
في ذلك عمومات الأدلّة وإطلاقاتها . بيد أنّ الذي يخطر في الذهن ؛ هو أنّها ليست من
موارد القضاء بل هي من موارد الاختلاف في الإفتاء ، فلا تشملها عمومات الأدلّة أو
إطلاقاتها ؛ كما إذا اختلف المجتهدان في شيء ، فليس للقاضي أن يحكم بينهما ويرفع
الاختلاف ؛ لأنّه من قبيل الاختلاف في المسائل العلميّة خصوصاً في عصرنا الراهن الذي
تكون الدعاوي فيه من قبيل الاختلاف في المصاديق والأحكام مضبوطة في القوانين
المدوّنة .
ولو استعرض مصداق من هذه الدعاوي التي يرجع الاختلاف فيها إلى الاختلاف في
الفتوى على القاضي وحكم القاضي طبقاً للقانون أو نظره الشخصي الفقهي المخالف لآراء
المتداعيين ، فإن كان الحكم مخالفاً لنظر المحكوم له اجتهاداً أو تقليداً فليس له التصرّف
في الأموال والأملاك المختصّة له بحكم القاضي ؛ لأنّه في نظره ليس حكم الحاكم هو
حكم الله والأئمّة ( عليهم السلام ) في حقّه وهذا إنّما يصحّ إذا كان الحكم شخصيّاً ولنفعه فقط وأمّا إذا
كان اجتماعياً ، بحيث يلزم من مخالفته الضرر على الاجتماع ، فلا تجوز له المخالفة .
وأمّا إن كان الحكم مخالفاً لنظر المحكوم عليه فعليه العمل به وقبوله ظاهراً ؛ لأنّه لو
أجيزت له المخالفة فلا يبقى حلّ لهذه الدعاوي أبداً ولاختلّ النظام الاجتماعي . ويمكن
استيناس هذا الحكم من صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) وإن لم يكن موردها
الاختلاف في الفتوى قال : " قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان ،
فقه القضاء — صفحة 337
مساهمون: السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
ص٣٣٧