على أن يكون مفهوم القضاء مركّباً من شيئين ، أعني بيان الحكم الكلّي وتعيين مصاديقه
بل الدليل على خلافه ؛ لأنّ بيان الحكم الكلّي للمسألة إنّما هو إفتاء لا غير ، وهو من باب
الإخبار . والقضاء الذي عنصره عنصر الإنشاء ، يختصّ مورده بالموارد الشخصيّة ، من
جهة التطبيق بالمصاديق وتبيين أحكامها ؛ كما اعترف نفسه بذلك مكرّراً ، في مطاوي
حديثه .
ثمّ إنّ اشتراط الاجتهاد في القاضي لا تنحصر فائدته بما ذكر بل للقضاء نفسه أحكام
كثيرة لابدّ أن يعرفها القاضي ؛ كأحكام البيّنة وشرائطها وأحكام تعارضها ، وكذلك أحكام
الحلف وموارده وأحكام النكول والردّ وشرائط المدّعي والمنكر والتشخيص بينهما ، وغير
ذلك من الأحكام الكثيرة ، فالمجتهد يعرفها برأيه واستنباطه ، وغيره لابدّ أن يعرفها
بالتقليد . نعم ، إذا كان المجتهد قاضياً ، فيقضي على طبق رأيه ، ويعمل برأيه لا برأي آخر ،
وسيأتي زيادة توضيح لذلك .
وثانياً توجيه قوله : " . . . إنّما يختصّ بالنسبة إلى ما هو محطّ نفس الحكم ولوازمه
الشرعيّة ، وأمّا ملزومه فلا . . . " مع لفت النظر إلى المثال الذي ذكره ، بحيث يزيل عنه غبار
الإبهام والتردّد ما يلي :
إنّ القضاء والحكم في الحقيقة عبارة عن إعمال الولاية في شخص ، أو في شيء من
جهة رفع الخصومة بسبب إنشاء الحكم . وهو لا يكون إلاّ فيما فيه الخصومة والدعوى ،
وهو يكون أمراً شخصيّاً جزئيّاً كصحّة هذا البيع وملكيّة هذا المال ؛ وليس هو بيان الحكم ،
جزئياً كان أو كلّيّاً ، حتّى يقال بدلالته على إثبات الأحكام الشرعيّة هنا ، أو على الحكم
في مواضع أخرى ؛ لأنّ مدار الحكم في القضاء دائر مدار الدعوى ، ولا يتجاوز عنه حتّى
إلى الأمثال والنظائر لظهور أدلّة إنفاذ الحكم والإلزام به في الجهة التي وقعت الخصومة
لأجلها وصدور الإلزام من الحاكم من جهتها ، وهذا كلام متين ، ولكن عبارته ليست
صريحة في ذلك .
فقه القضاء — صفحة 335
مساهمون: السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
ص٣٣٥