جائز على ما صرّح به غير واحد . لأنّ العلم بالواقع الأوّلي والواقع الثانوي ، مع وحدته بين
الكلّ ، سيّان في عدم جواز المخالفة ، ولذا جعلوا الإجماع من الأدلّة القطعيّة التي لا تجوز
مخالفتها ، مع أنّه قد لا يكشف به عن الواقع ؛ بل عن وجود دليل معتبر عن الكلّ ، بحيث لو
فرض مراعاة المجتهد لشرائط الاجتهاد ، لم يفت إلاّ بمضمونه . " ( 1 )
وقال المحقّق الكني ( رحمه الله ) : " وكذا إذا حكم بمقتضى أصل أو قاعدة بزعم أنّه لا معارض
لهما مع عدم الفحص المعتبر ثمّ تبيّن بأدنى فحص وجود معارض ، لم يكن مقتضى
الاجتهاد إلاّ الحكم به ؛ فإنّه أيضاً من موارد النقض لثبوت كونه فاسداً واقعاً على غير ما
اعتبره الشارع . " ( 2 )
أقول : لا ريب أنّ حكم الحاكم وقضاءه هو كإفتاء المفتي ، وحكمه حكم الإفتاء ؛ فكما
أنّ المفتي إذا اجتهد واستفرغ وسعه ووصل رأيه ونظره إلى شيء ثمّ تبيّن له وجود دليل
معتبر عند الكلّ أو عند نفسه ، وأنّه غفل عنه في اجتهاده ، غيّر رأيه ونظره إلى طبق الدليل
ولا يجوز له العمل برأيه السابق ، فكذلك الأمر بالنسبة إلى حكم الحاكم وقضائه .
والتكليف بالنسبة إلى الأعمال التي عمل بها من قبل ؛ فمبنيّ على ما حقّق في بحث
الإجزاء ؛ فلو قلنا بالإجزاء ، فهي صحيحة ، وإلاّ فلا ، ولا فرق في ذلك بين الإفتاء والقضاء .
وأمّا ما ورد عنهم ( عليهم السلام ) ، من وجوب العمل بالحكم وحرمة ردّه ، فليس معناه إلاّ المنع
عن المخالفة والعصيان ووجوب الطاعة والقبول ، كسائر أحكام الله تعالى ؛ ولا يستفاد منها
أكثر من ذلك . وبالتالي ، لو حكم الحاكم بشيء من الحدود والتعزيرات والحقوق ، على
طبق رأيه السابق ، ولم يعمل به بعد ، ثمّ تبيّن له وجود الدليل على خلافه ؛ ففي مثل هذه
الصورة عليه أن ينقضه ويحكم على طبق الدليل الجديد .
هامش
1 - كتاب القضاء ، ج 1 ، ص 109 .
2 - كتاب القضاء ، ص 238 .