قالت : أجل . فقال لها : أما لئن كنت فزعت ما كان الذي رأيت إلاّ في أخيك فلان ، أتاني
ومعه خصم له ، فلمّا جلسا إليّ قلت : اللهمّ ، اجعل الحقّ له ووجّه القضاء على صاحبه . فلمّا
اختصما إليّ ، كان الحقّ له ورأيت ذلك بيّناً في القضاء ، فوجّهت القضاء له على صاحبه ؛
فأصابني ما رأيت لموضع هواي كان ، مع موافقة الحقّ . " ( 1 )
أجل ، هذا اللون من الأحاديث وأضرابها ؛ دفعت جماعة لا يستهان بهم ، من أكابر
التابعين المرموقين وغيرهم من بعدهم من المسلمين ، إلى أن يمتنعوا عن مباشرة القضاء .
هذا ، وقد حمل صاحب الجواهر ( رحمه الله ) هذه الأحاديث ، على صورة ما إذا لم يطمئنّ
القاضي في نفسه ، من مراعاة جميع الشرائط الواجب توفّرها في الشخص المتصدّي
للقضاء ، بل وحتّى إلى أكثر من هذا بمعنى : أنّ من علم من نفسه أنّه فاقد للشرائط المقدّرة
في هذا الباب ، فإنّه يحرم عليه مزاولة مهمّة القضاء . ( 2 )
ثمّ أقول : ليكن معلوماً - كما أسلفت - أنّ بحثنا هذا ، إنّما يدور حول الأشخاص
الواثقين من أنفسهم ؛ أولئك الذين يستطيعون الوقوف دون أطماعهم ، قولاً وعملاً ، سرّاً
وعلانية ؛ أعني : القادرين على تحدّي كلّ تهديد يعترضّهم ويتعرضّون له ، وأنّهم بالتالي
لا يتأثّرون بشيء من ذلك ، مهما كثر .
وبعد جميع ذلك ، لا أدري كيف يمكن القول باستحباب تعريض الإنسان نفسه
هامش
1 - وسائل الشيعة ، الباب 9 من أبواب آداب القاضي ، ح 2 ، ج 27 ، ص 225 - وينظر : الفروع في الكافي ، ج 7 ، ص 410 -
تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 222 ، ح 21 .
2 - وللمحقّق النراقي في أنّ القضاء واجب على أهله ، كلام مناسب نقتطف منه ما يلي : " القضاء واجب على أهله بحقّ
النيابة للإمام ، في زمان الغيبة في الجملة بإجماع الأمّة ، بل الضرورة الدينيّة لتوقّف نظام نوع الإنسان عليه ، ولأنّ الظلم
من طبايع هذه الأشخاص ، واختلاف نفوسهم المجبولة على محبّة الترفّع والتغلّب وإرادة العلوّ والفساد في الأرض ،
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ، وإنّ كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض ؛ فلا بدّ من حاكم
بينهم ، ينتصف من الظالم للمظلوم ، ويردعه عن ظلمه . . . " ، مستند الشيعة ، ج 17 ، ص 10 .